عدن تُغتصب.. مرتين

البعث نيوز ـ بقلم / صفوان سلطان
في المرة الأولى، اغتُصبت عدن سياسياً حين سُرقت منها إرادتها وقُطعت عن محيطها الوطني، وأُلبست هوية مصطنعة لا تعبر عن تاريخها ولا عن أهلها. وفي المرة الثانية، يجري اغتصابها جسداً واجتماعاً، حين تتحول بيوتها وشوارعها ومراكز أمنها إلى مواطن خوف لا حماية، يذهب إليها
الضعيف طالباً النجدة، فيجد السلاح موجهاً نحو عرضه لا نحو دفاعه.
ما كشفته قضيتا مازن حازب والجحافي ليس مجرد انتهاك فردي تقترفه نفس مريضة، بل هو نتاج منظومة كاملة تحولت فيها قوى الأمن من درع يحمي إلى سيف يذبح، ومن مؤسسة تصون الكرامة إلى شبكة تستغلها وتاجر بها.
حين يطلب الضعيف الحماية فيجد الفخ
الفتاة اليتيمة التي لجأت إلى مركز الأمن طالبةً الإنصاف، والطفل الذي كان ابن شهيد سقط في خدمة هذا الوطن، هؤلاء لم يذهبوا إلى أماكن مجهولة ولا إلى أشخاص مجرمين معروفين بالجريمة، بل ذهبوا إلى من يُفترض أنهم حُماة القانون. وهذا هو قلب المأساة التي تعيشها عدن اليوم، أن منظومة الأمن ذاتها باتت تُنتج الجريمة التي يُفترض أنها أُنشئت لمكافحتها.
في قضية مازن حازب، جرى توظيف الاعتقال التعسفي أداةً للابتزاز الأخلاقي، إذ يُحتجز الأخ أو الخطيب ورقةً ضغط لانتزاع ما لا يُعطى طوعاً، وتتحول خلايا الاحتجاز من مرافق للعدالة إلى رافعة للجريمة المنظمة.
وفي قضية الجحافي، يتجاوز الأمر الفرد إلى شبكة منهجية استخدم فيها المتهم نفوذه وموقعه في اللواء الثاني حماية رئاسية لبناء دائرة من الابتزاز والاستغلال، مستعيناً بضحاياه أنفسهم لاصطياد ضحايا جدد.
الجريمة الأكبر: الصمت والتستر والمناصرة
لو أن هذه الجرائم وقفت عند حد ارتكابها، لكانت مأساة يمكن معالجتها بالقانون. لكن الأشد فتكاً هو ما جرى بعدها، حين أُفرج عن متهمين رئيسيين، وحين هرب الجحافي قبل لحظات من وصول قوة الاعتقال، وحين صدر بيان إيقاف مازن حازب داخل المعسكر لا أمام القضاء، فيما وصفته منصات حقوقية بأنه احتواء للغضب لا ملاحقة للعدالة.
والأشد دلالةً أن المجلس الانتقالي المنحل، الذي يدّعي أنه يمثل أبناء الجنوب ويصون كرامتهم، لم يُبادر بإدانة صريحة لا لقضية مازن حازب ولا لقضية الجحافي. لم يصدر عنه بيان يتبرأ من هؤلاء المتهمين، ولم تُعقد محاكمة عسكرية علنية، ولم تُتخذ إجراءات رادعة تقول للمجتمع إن ما جرى خط أحمر لا تهاون فيه.
بل على النقيض، تكشف الوقائع عن شبكات حماية سياسية وأمنية تعمل في الخفاء، ووساطات من قيادات معروفة لإغلاق الملفات، وتحويل المسؤولية إلى ضباط صغار يُوقفون شكلياً بينما تبقى الرؤوس الكبيرة في مواقعها.
سؤال لا يحتمل التأجيل
إذا كان المجلس الانتقالي المنحل معنوياً واخلاقياً و وطنياً يدّعي البراءة من هذه الجرائم، وإذا كان فعلاً يمثل قيم أهل الجنوب وكرامتهم، فليقل بصوت واضح لا يحتمل التأويل: أين المتهمون؟ ومتى ستنعقد المحاكمة العلنية؟ ومن الذي أعطى أوامر الإفراج؟ ومن الذي تدخل لحماية الجحافي حتى تمكّن من الهروب؟
الصمت هنا ليس موقفاً محايداً، بل هو موقف في حد ذاته. والتستر على الجاني ليس تعقيداً إدارياً، بل هو اشتراك أخلاقي وقانوني في الجريمة ذاتها.
عدن تستحق أفضل من هذا
عدن مدينة عريقة علّمت اليمن معنى القانون والمؤسسة والمجتمع المدني. أهلها الذين صبروا على الحرب والتهجير والفقر، لا يستحقون أن يُضاف إلى معاناتهم خوف الآباء على بناتهم وأبنائهم من الذين يحملون السلاح باسم حمايتهم.
المطالبة بمحاكمة عادلة وعلنية وشاملة لكل المتورطين في هذه القضايا ليست مطالبة سياسية ولا حزبية، بل هي الحد الأدنى من الإنسانية الذي لا يجوز المساومة عليه. ومن يرفض هذا أو يتهرب منه، فقد أجاب عن السؤال الذي كان يتهرب من الإجابة عنه.
عدن لن تصمت، وأهلها لن ينسوا.
عدن لم تموت و لن تموت حتى اخر نفس سنكون مدينة و ولايه و اقليم مستقل عن كل مغتصب و طامع و مجرم



