مقالات

وثيقة الوعي الاستراتيجي: تعدد الأقنعة ووحدة الغاية.. وتمزق الساحات

لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم كل العرب فليكن اليوم كل العرب محمد


البعث نيوز ـ. بقلم / امين الحاج

إن أبشع ما في المشهد العربي الراهن ليس احتلال الأرض، بل احتلال الوعي. فقد انكشف الستار عن فئتين تتقاسمان دور “حصان طروادة” في خاصرة الأمة:بل حين تتحول الأوطان إلى رقاع شطرنج، ويُختزل مصير الشعوب في حسابات الغرف المغلقة، نصحو على حقيقةٍ مرّة: أن منطقتنا لم تعد ساحةً لصراع الأفكار، بل ميداناً لتصادم المشاريع. مشاريعٌ لا ترى في الجغرافيا العربية إلا غنيمةً مستباحة، ولا في الإنسان العربي إلا وقوداً لحروب النفوذ.
تتعدد راياتها، وتختلف لغاتها، وتتناقض شعاراتها في العلن، لكنها تلتقي في الخفاء على مائدةٍ واحدة: مائدة تقسيم ما تبقى من جسد الأمة. ومن لا يقرأ الخريطة بعيونٍ مفتوحة، سيُقرأ عليه التاريخ وهو في غفلة. فهنا تُصنع الأقدار، وهنا تُذبح الأوطان بسكاكين “الأشقاء” و”الأعداء” على حدٍ سواء

حقيقة الواقع العربي اليوم: من جراء أدوات الخراب بلبوس الدين والتطبيع لقد نجح الثالوث الأسود: الصهيونية، والفارسية، و العصمالية الجديدة في تحقيق ما عجزت عنه الجيوش.

مزّقوا النسيج العربي إلى طوائف متناحرة: سنة وشيعة، دواعش وروافض، ومتصهينين. فصرنا أمةً يذبح بعضها بعضاً باسم اديان ما أنزل الله بها من سلطان تسوق لأمة العرب من واشنطن وطهران واسطنبول ، بينما العدو يتفرج ويقتسم الغنائم. عبر
الأولى: عبر الاذرع من بعض الانظمة العربية، من “المتصهينين العرب” دعاة التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين..!
الثانية:عبر الاذرع من التنظيمات الإسلاموية الميليشياوية العابرة للحدود، دعاة “الخلافة العصمالية ” التي تغتصب لواء الإسكندرون العربي السوري..!،
الثالثه عبر اذرع دعاة “ولاية الفقيه الفارسية” التي تبتلع الأحواز العربية..!

كل أولئك أثبتت الوقائع والأحداث الجارية اليوم على الأراضي العربية الحقيقة الدامغة أنهم ليسوا سوى أدواتٍ مأجورة، تُمَوَّل وتُحَرَّك بالريموت من غرف العمليات الإقليمية التوسعية، ومن خلفها قوى الإمبريالية الصهيونية المتوحشة
وُظِّفوا لتنفيذ مشاريع الغزاة على جثث العرب، أرضاً وإنساناً.

و إنهم عبارة عن خناجرٌ مسمومة في خاصرة الأمة العربية خيانةٌ تمشي على قدمين. خانوا أمانة الله والتاريخ، وتنكروا لفضل أمةٍ اصطفاها ربها، وباعوا دينهم بدنيا غيرهم. فحقّ عليهم قول الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
فلما غيّروا، سلّط الله عليهم عدوهم، فوهنوا وذلّوا، ومزّقوا وحدتهم بأيديهم، بعد أن نبذوا كتاب ربهم وسنة نبيهم وراء ظهورهم.

الخيانة العظمى للأمة المقدسة
إن الأمة العربية ليست هامشاً في كتاب التاريخ. هي أمةٌ اصطفاها الله فاستودعها مقدساته، واجتباها لمهابط وحيه، وشرّفها ببيوت توحيده إلى أن يرث الأرض ومن عليها.
لكن ماذا فعل الحكام والشعوب؟ أضاعوا مجد أمةٍ هي أكرم الأمم، وأعظم وطنٍ باركه الله، وأقدس أرضٍ شرفها على العالمين. فرّطوا في إرثٍ سماوي لا يُدانى، وخانوا أمانةً لا يُستهان بها.

التشريف الإلهي الذي لا يُبارى
فقد جعل الله في هذه الأرض أول تجمع بشري بهبوط آدم أبي البشرية عند أول بيتٍ وُضع للناس بمكة المكرمة.
وجعل فيها التجمع البشري الثاني من بعد قوم نوح في أحقاف حضرموت اليمن، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[الأعراف: 69].

وشرّف الله الأمة العربية إذ جعل في حياضها الكعبة المشرفة والمسجد الحرام، وعرفات الله والحج الأكبر، والمسجد الأقصى مسرى رسول الله ومعراجه إلى سدرة المنتهى.
وأكرمها إذ جعلها مهد رسالات السماء: من آدم وإدريس ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وصالح وشعيب وأيوب وذا الكفل ويونس ويحيى وزكريا وسليمان وداوود وموسى وعيسى، إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم أجمعين. وشرّفها بمحمدٍ العربي، خاتم النبيين ورسول الناس كافة، بينما كان كل رسول يُبعث بلسان قومه.
وأنزل آخر كتبه بلسانٍ عربي مبين، وجعل لغة أهل الجنة عربية.
وأكرمها إذ جعل المهاجرين والأنصار جند الله، وحملة الرسالة الخالدة و راية التوحيد، وقادة الفتوح، وسفراء الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها.

لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم كل العرب فليكن اليوم كل العرب محمد

فهل بعد هذا التشريف تشريف؟ وهل بعد هذا الاصطفاء اصطفاء؟
لكن بعض الانظمة العربية والاذرع الإسلاموية خانوا الأمانة، وتنكروا للفضل، وباعوا دينهم بدنياهم، فحلّ عليهم غضب الله.
سلّط عليهم عدوهم، فوهنوا وذلّوا، ومزّقوا وحدة أمتهم بأيديهم، بعد أن نبذوا كتاب ربهم وسنة نبيهم وراء ظهورهم.

السؤال الكبير المغيّب اليوم – من يسرق الجغرافيا باسم الطائفة؟
إن السؤال الذي يهرب منه الجميع، وتردده الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج همساً وجهراً، ليس عن شرعية هذا الصراع أو ذاك.

السؤال الحقيقي: كيف جرى اختطاف صراع النفوذ في “الشرق الأوسط الجديد” وتغليفه برداء طائفي سنّي – شيعي؟ كيف تحوّل “حصان طروادة” المذهبي إلى ذريعة مقدسة لتبرير التحالفات المشبوهة، وشرعنة الحروب، واغتصاب الأرض العربية، وإعادة هندسة موازين القوى الإقليمية والدولية على جماجم العرب وأشلاء أوطانهم؟


والجزء الثاني يتبع لاحقا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!