مقالات

حين تحقق الهزيمة مكاسب: قراءة في مآلات “مذكرة تفاهم” واشنطن وطهران

بقلم: صفوان سلطان

ثمة مشهد يستحق التوقف عنده طويلاً قبل أن تُسارع الأقلام إلى تصنيفه. دولة خرجت من حرب فُتك فيها بقيادتها العليا، ودُمّر جزء كبير من بنيتها النووية، واستُنزف مخزونها الصاروخي إلى ما يقارب الخُمس مما كان عليه قبل أشهر قليلة، تخرج من كل ذلك وهي تتفاوض ليس على الاستسلام، بل على شروط تُشبه إلى حد بعيد ما كانت تطمح إليه قبل أن تبدأ الحرب أصلاً. هذه ليست مفارقة عابرة، بل هي جوهر ما يجري الآن بين واشنطن وطهران، وفهمه بدقة هو المفتاح لقراءة ما سيأتي لاحقاً، لا لمنطقتنا فقط، بل لقواعد اللعبة الدولية برمّتها.

اتفاق الضرورة لا اتفاق القناعة

ما يُروَّج له إعلامياً بوصفه “اتفاق سلام” هو في حقيقته تفاهم فرضته على الطرفين ضرورات داخلية بحتة، لا قناعة مشتركة بإنهاء الخصومة. الرئيس الأمريكي يحتاج عنواناً سياسياً يُقدّمه لناخبيه قبل موعد الانتخابات النصفية، في وقت يضرب فيه التضخم الناتج عن إغلاق مضيق هرمز جيوب الأمريكيين بلا هوادة، وفي وقت يجد فيه نفسه أمام كونغرس بدأ يسحب منه الغطاء التشريعي لاستمرار الحرب. أما إيران، فتحتاج هذا التفاهم لتُعيد ترتيب بيتها الداخلي تحت قيادة جديدة لم تُختبر بعد، وتُعيد بناء ما تهدّم من بنيتها العسكرية والمؤسسية بعيداً عن ضربات يومية تستنزفها.

والنتيجة أن كل طرف يدخل هذا التفاهم وهو يعلم تماماً أن الطرف الآخر يدخله من موقع حاجة لا قوة. وهذه المعرفة المتبادلة، لا غيرها، هي ما يجعل هذا التفاهم هشاً منذ لحظة توقيعه، قبل أن تُختبر أي بند من بنوده على الأرض.

من ربح فعلياً؟ السؤال الذي يُجاب عنه بعكس ما يبدو

القراءة السطحية للمشهد تقول إن واشنطن انتصرت عسكرياً وإن طهران خرجت مهزومة. أما القراءة الأعمق، فتكشف نمطاً معكوساً تقريباً. فإيران حوّلت هزيمتها العسكرية إلى مكسب سياسي واقتصادي يتجاوز كثيراً ما كانت تطمح إليه قبل اندلاع الحرب: خطة إعمار بمليارات الدولارات، إفراج عن أصول مجمدة، بيان أمريكي خطي يُعلن احترام سيادتها لأول مرة منذ نحو نصف قرن من العداء، واستبعاد كامل لملفات شبكتها الإقليمية من أي طاولة بحث.

وفي المقابل، حصلت الإدارة الأمريكية على عنوان إخباري كبير، لا على نتيجة استراتيجية موازية لحجم الكلفة التي تكبّدتها. والفارق بين الظهور بمظهر المنتصر، وبين الانتصار فعلياً، هو الفارق الذي ستكشفه الأشهر القادمة بوضوح متزايد.

البند الذي مرّ صمتاً وهو الأخطر في الوثيقة كلها

بين عشرات التفاصيل التي تناقلتها وكالات الأنباء حول بنود التفاهم، مرّ بند واحد دون أن يُعطى حجمه الحقيقي في التحليل العام: استبعاد ملف الصواريخ الباليستية، واستبعاد الأذرع الإيرانية في المنطقة العربية، من جدول المفاوضات النهائي بشكل كامل ونهائي، باستثناء ما يخص لبنان وحزب الله.

هذا ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو القرار الأكثر أهمية في كل هذه الوثيقة، وهو يحمل في طياته تمييزاً دقيقاً يستحق التوقف عنده. فحزب الله، بخلاف بقية الأذرع، وجد طريقه إلى نص التفاهم بالاسم، عبر شرط إنهاء الأعمال العدائية في لبنان كجزء من بنود إنهاء الحرب. أما بقية الشبكة الإقليمية لطهران، وفي مقدمتها الحوثيون والفصائل المسلحة في العراق، فلم تُذكر في الوثيقة من قريب أو بعيد، لا بالحماية ولا بالاستهداف. فاتورة الحرب، بكل ما تحمله من بنود اقتصادية ونووية، ستُدفع من حساب البرنامج النووي والاقتصاد الإيراني المباشر فقط، بينما يبقى مصير هذه الأذرع معلقاً خارج أي تسوية مكتوبة.

ثمة فارق جوهري يستحق التوقف عنده عند قراءة من ذُكر صراحة في هذا التفاهم، ومن غاب عنه كلياً. القراءة الأولى، وهي الأكثر شيوعاً، تذهب إلى أن هذا الغياب يمنح الحوثيين والفصائل العراقية حصانة تفاوضية، فما لم يُذكر في الاتفاق لا يقع تحت التزاماته أو آليات رقابته. لكن ثمة قراءة معكوسة، وهي على الأرجح الأقرب إلى منطق الصفقات الكبرى بين القوى الكبرى وخصومها الإقليميين: ما يُذكر بالاسم يُشترى له غطاء حماية ضمن الصفقة، وما يغيب عن النص يبقى خارج أي غطاء من هذا النوع. بهذا المنطق، يكون حزب الله، الذراع الإقليمية الأكثر إنهاكاً والأكثر حاجة إلى مَن يُنقذها، قد حصلت على ثمن حمايتها ضمن الصفقة الكبرى. أما الأذرع الأخرى، التي طوّرت في الأعوام الأخيرة قدرة أكبر على تصنيع وسائلها العسكرية محلياً وباتت أقل اعتماداً على الدعم الإيراني المباشر، فلم تحصل على هذا الغطاء، لأنها لم تكن في حاجة عاجلة إليه من منظور طهران، ولأن خصومها الإقليميين والدوليين قد يجدون فيها الساحة الوحيدة المتبقية وغير المُسوَّاة لمواصلة الضغط على الشبكة الإقليمية الإيرانية، بعد أن أُغلقت أبواب إيران ولبنان عبر هذا التفاهم.

التناقضات ليست أخطاء، بل استراتيجية تفاوض في العلن

من يتابع تفاصيل ما تسرّب من بنود هذا التفاهم، سيلحظ تناقضات صريحة بين الرواية الأمريكية والرواية الإيرانية في أكثر من نقطة جوهرية: حجم الأموال المفرج عنها، وشرطية الإفراج عنها، وآلية فتح مضيق هرمز ورسومه. هذه التناقضات لا ينبغي أن تُقرأ على أنها فوضى أو سوء تواصل. إنها، في الجوهر، حرب روايات متبادلة، يحاول فيها كل طرف تثبيت نسخته في الإعلام بوصفها الحقيقة، قبل أن يجد الطرف الآخر نفسه مضطراً للتعامل معها كأمر واقع لا يمكن التراجع عنه دون كلفة سياسية.

إسرائيل، اللاعب الذي لا يأخذ إذناً، وثمن الحماية المنقوصة

في كل مرة بدا فيها هذا التفاهم قريباً من خط النهاية، ظهرت ضربة إسرائيلية جديدة في لبنان، أو تصريح إسرائيلي متشدد يُقلّل من شأن ما يُعلَن في واشنطن. هذا التكرار ليس صدفة. إسرائيل تتصرف بوصفها لاعباً مستقلاً له أجندته الخاصة، لا تابعاً منضبطاً للموقف الأمريكي. وما رشح من تصريحات رسمية وتسريبات إعلامية إسرائيلية يكشف أن قلق تل أبيب من هذا التفاهم لم يكن مرتبطاً بالملف النووي بقدر ما كان مرتبطاً ببند حماية حزب الله نفسه. فالنووي تهديد مستقبلي محتمل تحتاج تفعيله الفعلي سنوات، بينما شبكة الأذرع الإقليمية، وفي مقدمتها حزب الله والحوثيون والفصائل العراقية، هي تهديد حاضر ويومي تختبره إسرائيل وحلفاؤها بشكل مباشر.

ومن هذا المنظور، فإن تفاهماً يُقيّد قدرة إسرائيل على الرد في الجبهة الأكثر سخونة عملياً، أي لبنان، دون أن يُقابل ذلك بأي التزام دولي مماثل يُقيّد تغذية إيران لأذرعها الأخرى، هو تفاهم تراه تل أبيب غير متوازن أمنياً، بصرف النظر عن ضماناته النووية. وهذا يفسر إلى حد بعيد حدة ردود الفعل الإسرائيلية الرسمية، التي تجاوزت في بعض تجلياتها حدود الخلاف السياسي المعتاد إلى إعلانات صريحة بعدم الالتزام بما لم تكن إسرائيل، بحسب تعبيرها، شريكاً حقيقياً فيه.

الغبار النووي: العملية القادمة تحت غطاء التنفيذ

من بين كل ما قيل، يستحق تصريح واحد وقفة متأنية: حديث الرئيس الأمريكي عن أن واشنطن ستعمل، في الوقت المناسب، على التعامل مع ما تبقى من المادة النووية الإيرانية تحت الأنقاض، وما وصفه بـ”الغبار النووي”. هذا التصريح، إذا قُرئ بعناية، يكشف عن عملية مستقبلية مُبرمَجة سلفاً، تُنفَّذ تحت غطاء “تطبيق بنود التفاهم” لا تحت غطاء “خرقها”.

وهنا تكمن الذكاء التكتيكي الحقيقي: إذا نصّ التفاهم نفسه على آلية رقابية لتنفيذه، وعلى دخول مفتشين دوليين للتعامل مع المواقع المدمَّرة، فإن أي تحرك أمريكي لاحق داخل الأراضي الإيرانية، عسكرياً أو استخباراتياً، سيصعب على طهران تصويره بوصفه عدواناً، لأنه، شكلياً على الأقل، تنفيذ لما وافقت عليه هي نفسها. هذه هي القنبلة الموقوتة الحقيقية في الفترة القادمة، لا انهيار التفاهم بشكل صريح، بل تحوّل تنفيذه إلى عملية ذات طابع عسكري مقنّع.

المنتصر الذي لم يُطلق رصاصة

بين كل الأطراف التي خاضت هذه الحرب أو تأثرت بها، ثمة طرف واحد يستحق أن يُقرأ موقعه بعناية خاصة، وهو المملكة العربية السعودية ومحيطها الخليجي. فكل سيناريو حسم صريح في هذه الحرب كان يحمل تهديداً مباشراً لهذا الطرف. انتصار إيراني صريح كان يعني تعزيز النفوذ الإيراني المباشر في كل ملفات المنطقة التي تتقاطع مع الأمن السعودي. وانتصار إسرائيلي صريح كان يعني وضع المملكة في موقف حرج أمام حلفائها الغربيين، الذين قد يربطون أي انفتاح إقليمي جديد بمسار تطبيع لم تكن الرياض مستعدة لقبوله دون مقابل واضح يتعلق بالقضية الفلسطينية.

النتيجة الفعلية لهذه الحرب، أي غياب أي حسم صريح لأي طرف، هي بالضبط النتيجة التي تُناسب الرياض أكثر من أي سيناريو آخر. وفي الوقت ذاته، استمرت المملكة في عقد صفقات اقتصادية ودفاعية ضخمة مع واشنطن، بمعزل تام عن فاتورة الحرب، واستفادت من ارتفاع أسعار النفط طوال أشهر الصراع بوصفها أكبر مُصدّر في المنطقة، دون أن تتعرض أراضيها لما تعرضت له دول خليجية أخرى من ضربات مباشرة. وهذا يجعل من المعقول القول إن الرياض خرجت من هذه الأزمة الفاعل الأكثر رشداً استراتيجياً فيها، ليس لأنها انتصرت بالمعنى التقليدي، بل لأنها نجت من كل التهديدات المحتملة عليها في آنٍ واحد، وحققت مكاسب إضافية لم تكن مضمونة قبل اندلاع الحرب.

الخلاصة: إعادة جدولة لا إنهاء

ما يُقدَّم للعالم بوصفه اتفاق سلام، هو في حقيقته إعادة جدولة للصراع، لا إنهاء له. كل طرف يكسب وقتاً يحتاجه بشدة: الإدارة الأمريكية تكسب وقتاً سياسياً قبل موعد صناديق الاقتراع، وطهران تكسب وقتاً لإعادة بناء قيادتها ومؤسساتها العسكرية المتهالكة تحت غطاء التفاوض الذي يُبعد عنها الضربات اليومية، والرياض تكسب استمرار التوازن الإقليمي الذي تُفضّله على أي بديل حاد.

والمؤشر الحقيقي على ما سيحدث لاحقاً لن يكون في نصوص المذكرات والبيانات الرسمية، بل في سرعة وحجم الحركة الميدانية لكل طرف خلال الأسابيع المقبلة. هل تتحرك طهران لإخفاء ما تبقى من موادها النووية قبل أن تُصبح قابلة للتفتيش؟ هل تُعيد بناء قدراتها الصاروخية بسرعة تتجاوز قدرة الرصد؟ هل تُحضّر واشنطن لوجود استخباراتي أو عسكري داخل الأراضي الإيرانية تحت عنوان التفتيش؟ وهل تستمر إسرائيل في عملياتها داخل لبنان رغم كل التعهدات المُعلَنة؟

الإجابات عن هذه الأسئلة، لا حروف المذكرة الموقّعة، هي ما سيحدد إن كان ما نراه اليوم هدنة طويلة الأمد تستحق هذا الوصف، أم أنه مجرد فاصل قصير قبل أن يُفتح فصل جديد من هذا الصراع، بأدوات مختلفة، وتحت عناوين مختلفة، لكن بجوهر لم يتغير.

قراءتي الشخصية

أميل إلى الاعتقاد بأن الحرب ستعود، وستعود بشكل أقوى مما كانت عليه في موجتها الأولى، لكنها ستعود هذه المرة بأهداف أكثر دقة، وبخطة أكثر إحكاماً من سابقتها. فالموجة الأولى من هذه الحرب، على ضخامتها، حملت كثيراً من ملامح الاستجابة السريعة وردود الفعل المتلاحقة، أكثر مما حملت ملامح خطة مُعدّة سلفاً لمآلاتها النهائية. أما الموجة القادمة، إن حدثت، فأرى أنها ستكون مختلفة في طبيعتها، لأنها ستأتي بعد فترة من “إعادة الجدولة” استُخدمت، من الجانب الأمريكي على الأقل، لتحديد الأهداف بدقة أكبر، ولتجهيز الأرض لما هو أبعد من الضربات الجوية والبحرية التي شهدناها حتى الآن.

وما يُعزز هذا الاعتقاد عندي هو ذلك التصريح حول “الغبار النووي” والتعامل مع ما تبقى من المادة المخصبة “في الوقت المناسب”. فهذا التصريح، في تقديري، لا يصف عملية تفتيش روتينية فقط، بل يُمهّد لشيء أعمق: تحركات من الداخل الإيراني نفسه، سواء عبر شبكات استخباراتية، أو عبر استثمار حالة عدم اليقين التي تعيشها طهران تحت قيادة جديدة لم تُختبر بعد، أو عبر كليهما معاً. فالقيادة الإيرانية الجديدة، التي صعدت في ظروف استثنائية وسط دمار واسع لمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، هي بيئة أكثر هشاشة من أي وقت سابق أمام أي محاولة لزرع الانقسام أو تحفيز تحركات داخلية، عسكرية أو سياسية، تخدم في النهاية الهدف الأمريكي الأبعد، وهو إنهاء الملف النووي الإيراني بشكل لا يحتاج بعده إلى حروب متكررة.

بهذا المعنى، أرى أن “الستين يوماً” التي يتحدث عنها الجميع ليست فترة سلام مؤجل، بل فترة تجهيز مزدوج: تجهيز إيراني لإخفاء ما تبقى وإعادة بناء ما تيسر منه، وتجهيز أمريكي، يُحتمل أن يكون بمشاركة إسرائيلية واستخباراتية أوسع، لعملية لاحقة تكون أكثر جراحية وأكثر تركيزاً على الداخل الإيراني نفسه، لا على البنية العسكرية والصاروخية الخارجية التي استُهدفت في الموجة الأولى. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن المنطقة برمّتها، وملف اليمن في القلب منها، ستكون أمام مرحلة جديدة كلياً، تختلف عن كل ما عايشناه في هذه الحرب حتى الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!