إيران: من ولاية الفقيه إلى ولاية البندقية – تشريح الانقلاب الناعم

البعث نيوز ـ أمين الحاج
لم تعد إيران كما كانت. لم تعد دولة عمامة وخطاب ديني فقط، ولم تعد دولة مؤسسات مدنية تواجه العالم. نحن أمام تحول تاريخي دموي في بنية السلطة… تحول نقل إيران من “حكم رجال الدين” إلى “حكم الجنرالات”.
ما يجري اليوم ليس تعديل وزاري، ولا صراع أجنحة. هو “انقلاب ناعم” استولى به الحرس الثوري على الدولة من الداخل، وترك الواجهة المدنية لتمتص الرصاص.
هذه قراءة في تشريح جسد السلطة الإيرانية: دولتان في دولة واحدة… إحداهما للاستهلاك الخارجي، والأخرى هي من تمسك بالزناد والمال والقرار.
أولاً: هيكلان… دولة واحدة الهيكل الجديد للسلطة في إيران ليس تعديلاً إدارياً. هو إعلان وفاة الدولة المدنية، وميلاد دولة العسكر.تحول جذري نقل مركز الثقل من “ولاية الفقيه” إلى “ولاية البندقية”.
الدولة الأولى: الدولة الدبلوماسية المدنية واجهة رسمية للمحافل الدولية. يمثلها الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي. لكن دورها اليوم هامشي، مقزم، ومحصور في البروتوكول. لا قرار لها في الملفات الأمنية والعسكرية الحساسة.
الدولة الثانية: دولة الحرس الثوري هي “الظل” الذي يحكم من خلف الستار. تملك الثقل الحقي، وتمتد قبضتها من ساحة المعركة إلى غرفة المفاوضات. هي من تقر الحرب والسلم، وتفاوض واشنطن، وترسم الاستراتيجيات الكبرى.
ثانياً: إمبراطورية السلاح والمال الحرس الثوري لم يكتفِ باحتكار البندقية… احتكر الاقتصاد.إمبراطورية اقتصادية متشعبة في النفط والبناء والشحن والاتصالات. شبكة شركات ومصالح تجعله اللاعب المحوري في أي صفقة مستقبلية، بما فيها رفع العقوبات.من يملك السلاح والمال، يملك القرار.
ثالثاً :من حكم العمامة إلى حكم النجمة نظرياً: تحولنا من “حكم رجال الدين” إلى “حكم الأمن”. من نظام ديني إلى ما يشبه المجلس العسكري.الجنرالات صاروا صناع القرار. والمرشد الأعلى الجديد تحول إلى “رئيس مجلس إدارة” يصادق فقط على ما تقرره غرفة العمليات العسكرية.
الخلاصة: دولتان في دولة واحدة.دولة مدنية موجودة لكنها مشلولة. ودولة عسكرية فعلية تفرض قبضتها على القرار المصيري والاقتصاد والجيش والأمن.
رابعاً: الانقلاب الناعم – الاستيلاء الصامت ما حدث في إيران ليس انقلاباً عسكرياً كلاسيكياً بالدبابات. هو “انقلاب ناعم” وأخطر.استيلاء هادئ على مفاصل الدولة من الداخل. تفريغ مؤسسة الرئاسة من محتواها وتحويلها إلى مكتب تنفيذي لأوامر الحرس.
تقارير كثيرة تؤكد أن الرئيس بزشكيان محاصر، مجرد من صلاحياته، خاصة في الملفات الأمنية.
خامساً: لماذا لا ينقلبون علناً؟ رغم كل النفوذ، يستبعد إعلان انقلاب رسمي لثلاثة أسباب:
1ـ الشرعية: الرئيس المنتخب “درع” يمتص غضب الشارع ويوفر غطاءً دستورياً. يحمي الحرس من المواجهة المباشرة مع الشعب.
2 ـ الاستقرار:انقلاب علني سيشعل الداخل ويعمق العزلة والعقوبات في ظل أزمة اقتصادية خانقة. الثمن باهظ.
3 ـ النفوذ بلا مسؤولية: الوضع الحالي مثالي للحرس. سلطة فعلية كاملة، ومسؤولية صفر. الفشل والأزمات تُرمى على ظهر الحكومة المدنية.
سادساً “دولة الحرس” هي النظام
هذا تحول تاريخي. من نظام تقوده مؤسسة دينية إلى نظام تقوده مؤسسة عسكرية.الحرس الثوري أصبح المسيطر على السياسة والعسكر والاقتصاد. ممسك بزمام الأمور، يختار الوجوه التي تخدم أجندته.
والمؤسسات المدنية مجرد واجهة ديكورية لإضفاء الشرعية.
الانقلاب لم يعد بحاجة لإسقاط النظام… لأنه صار هو النظام نفسه، مع إعادة تدوير الوجوه الأكثر ولاءً وتطرفاً.
إن ما نشهده اليوم في إيران ليس استقراراً… هو هدوء ما قبل العاصفة. وضع انقلابي مؤقت لا يمكن أن يستمر.
فدولتان داخل دولة واحدة لا تعيشان طويلاً. إما أن تبتلع “دولة الظل” الواجهة المدنية بالكامل، أو تنفجر المواجهة بينهما.
لقد دخلت إيران مرحلة “حكم الأمن” بامتياز. وحين يحكم الجنرال، تصمت السياسة، ويغيب القانون، ويموت الأمل في التغيير السلمي.
والدرس لكل شعوب المنطقة: حين يتحول الجيش إلى تاجر، وتتحول البندقية إلى اقتصاد… عندها لا عودة للدولة إلا بثورة وعي.
12 يوليو 2026

