البعث والثقافة: من صناعة الإنسان إلى بناء الأوطان

البعث نيوز ـ أمين احمد الحاج
لا تنهض الأمم بالمدافع، ولا تشيد الحضارات بسياط القوة. الأمم العظيمة لا تُبنى إلا بسواعد مفكرة، وعقول مستنيرة، وقلوب تؤمن أن المستقبل يُكتب بالحبر قبل الدم
من هنا جاءت عبقرية فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، حين وضع الثقافة في قلب معركته. لم ينظر إليها كزينة أو ترف، بل كقوة منتجة، كمشروع حضاري لتحرير العقل وبناء الإنسان وصياغة هوية الأمة.
اليوم، ونحن في اليمن نلفظ أنفاس الحرب، تتضح الحقيقة المرة: الجسور يمكن أن تُعاد بالمال، لكن الإنسان لا يُعاد إلا بالثقافة. هذه شهادة في زمن الخراب، وتذكير بأن معركة البناء الحقيقية تبدأ من الكلمة، لا من الرصاصة.
أولاً: الثقافة… قوة النهضة لا زخرفتهالم يجعل البعث من الثقافة ديكوراً للسلطة، بل جعلها عماد المشروع النهضوي. آمن أن الأمم لا تنهض بالسلاح وحده، ولا تُبنى الحضارات بالقوة المجردة. إنما تنهض بإرادة إنسان واعٍ، وتُبنى بفعل مبدع حر. لذلك احتلت الثقافة مكانة مركزية في عقيدة البعث، باعتبارها القوة القادرة على صناعة الإنسان الحر، وحفر هوية الأمة الحضارية في وجدان الأجيال.
ثانياً: مشروع تحرير العقل الثقافة في فكر البعث ليست كتباً تُقرأ، بل هي مشروع تحرير شامل. مشروع يحرر العقل من الخرافة، ويطلق طاقات الإبداع من الأسر، ويرسخ قيم الحرية والوحدة والعدالة كبديهيات حياة.ولهذا قال القائد المؤس ميشيل عفلق كلمته الخالدة: “النهضة تبدأ من الإنسان، والإنسان لا يصنعه إلا الفكر والإيمان برسالة الأمة” فكانت الثقافة هي الرحم الذي يلد الإنسان الجديد.
ثالثاً: جيش المبدعين… شركاء الوطن لم يفصل البعث يوماً بين الثقافة والعمل الوطني. بل أعلنها صريحة: الأديب جندي، والشاعر مقاتل، والمسرحي مهندس وعي، والموسيقي باني وجدان، والصحفي حارس حقيقة، والمفكر مهندس مستقبل.المبدع الحقي عندنا ليس باحث شهرة… بل هو من يجعل من حرفه رسالة، ومن ريشة فرشاته بندقية، ومن قصيدته منارة تهدي التائهين إلى قيم الحرية والكرامة والعدالة.
رابعاً: مبادئ راسخة في زمن التشويه
أسس البعث لعقيدة ثقافية لا تتزحزح:
1- الثقافة أساس النهضة لا تابع لها.
2- حرية الفكر شرط الإبداع لا عدوه.
3- اللغة العربية وعاء الهوية ودرع الحضارة.
4- التراث إلهام للتجديد لا قيداً عليه.
5ـ الإبداع منحاز للإنسان لا لأدوات التعصب والكراهية والانقسام.
خامساً: اليمن… معركة إعمار الإنسان واليوم يقف اليمن على مفترق طرق تاريخي. دمرت الحرب الحجر، لكن أخطر ما دمرته هو الإنسان.وإعادة إعمار المدن تحتاج مالاً وموارد، أما إعادة إعمار الإنسان فتحتاج ثقافة وإبداع. جراح الوطن لا تضمدها بيانات السياسة وحدها. تحتاج قصيدة تعيد الأمل، ورواية تحفظ الذاكرة من الضياع، ولوحة ترسم ملامح الغد، ومسرحاً يفتح نوافذ الحوار، وأغنية توحد الوجدان الممزق، وصحافة مسؤولة تواجه خطاب الكراهية بالحقيقة.
سادساً: دور تاريخي للمبدع اليمني المبدع اليمني اليوم مدعو لمعركة أقدس من معركة السلاح: معركة الوعي. مطالب أن يتجاوز حدود الديوان والمعرض، إلى ساحة بناء مشروع وطني جامع. مشروع يعز السلام، ويكرس التسامح، ويعيد الاعتبار للتنوع الثقافي بوصفه ثروة وإثراء… لا ذريعة للصراع. فلقد أثبت التاريخ أن الحروب تبدأ بخطاب كراهية، ولا تنتهي إلا بثقافة تعيد للإنسان إنسانيته.
جسر العبور إلى المستقبل إن رؤية البعث للثقافة ليست نظرية في كتاب… هي وصفة إنقاذ لأمة جريحة.
فبناء وطن أنهكته الحرب والفساد لا يتم بتشييد الطرق والجسور فقط. يتم أولاً بإعادة تشييد العقول، وترميم الوجدان، وغرس ثقافة السلام والمواطنة والديمقراطية.
حين تنتصر القصيدة على الرصاصة، وحين تنتصر اللوحة على البندقية، وحين تنتصر الثقافة على العنف… عندها فقط تبدأ رحلة اليمن الحقيقية نحو المستقبل.المسؤولية اليوم ليست على عاتق السياسي وحده. المسؤولية على عاتق كل مبدع: أن يكون جسراً تعبر عليه الأمة من الخراب إلى الحضارة، ومن الكراهية إلى الإنسانية.
6 يوليو.2026 م



