مقالات

حرب بالوكالة..وموت بالجملة: مأساة شعب بلا ممثل

صوت من تحت الركام


البعث نيوز ـ بقلم / أمين الحاج

عقدٌ كامل مرّ على اليمن وهو يذبح على مذبح حسابات الآخرين. لم تعد بندقية هنا أو صاروخ هناك، بل صارت الجغرافيا اليمنية سبورة تُرسم عليها خرائط النفوذ، ومسودة تُختبر فيها مشاريع الإقليم والعالم.

في هذا المشهد العبثي، يقف اليمني وحيداً: بلا وطن يحميه، وبلا سلطة تمثله، وبلا سؤال يجيب عنه أحد: من يسمع صوته؟

هذه ليست حرباً بين حق وباطل، بل هي مأساة شعب اختُزل إلى رقم في تقرير، وإلى فاتورة في مزاد سياسي. إنها لحظة الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة: اليمن يُدار… ولا يُحكم.

أولاً تحول الحرب من معركة إلى سوق
لم تكن الحرب التي اندلعت قبل عقد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يمنيين. لقد تحوّلت إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها إرادات القوى الكبرى، وطموحات القوى الإقليمية، وأطماع وكلاء الصراع الداخلي.

أما الشعب اليمني، فصار هو الثمن. هو الأرض التي تُحرق لطبخ تسويات لا تخصه، وهو الجسد الذي يُجرّب عليه سلاح لا يملكه. كل طرف يتقن خطاب المظلومية، ويدافع عن مصلحته بلسان الوطن، بينما المواطن اليمني لا يملك إلا الانتظار… انتظار نهاية حرب سرقت منه وطنه قبل أن تسرق عمره.

ثانياً فشل النموذجين… وسقوط ورقة التوت
بعد عشر سنوات من الحرب، وثلاث سنوات من حالة “اللا حرب واللا سلم”، انكشف المستور. لا “شرعية” بنت دولة، ولا “انقلاب” أسس مشروعاً. الكل فشل عسكرياً وسياسياً وأخلاقياً.

لقد اتضح لليمنيين أنهم أمام أدوات لا أصحاب مشروع. أدوات لمشاريع إقليمية تبحث عن أمنها على حساب أمننا، ودولية تبحث عن مصالحها على حساب سيادتنا. هؤلاء لم يدافعوا عن وطن، بل مزقوه. لم يحموا شعباً، بل قتلوه فقراً وجوعاً ومرضاً، ونهبوا سلطته وثروته وكرامته.

ثالثاً مأساة إنسان… لا أرقام في تقرير
اليوم، اليمني يعيش انهياراً شاملاً: نازح في وطنه، ولاجئ خارج حدوده، وجائع في أرضه الغنية. المدارس أُغلقت، والمستشفيات أُفرغت، والرواتب قُطعت، والعملة انهارت. صارت لقمة العيش معركة يومية، والدواء ترفاً، والاستقرار حلماً.

وفي المنافي، يحمل اليمني وطنه كجرح مفتوح. غربة فوق غربة، وهمّ فوق همّ. ينتظر لحظة عودة لا يضمنها أحد.

رابعاً الغائب الأكبر – إرادة الشعب
في كل هذا الضجيج، غاب الصوت الوحيد الذي يجب أن يُسمع: صوت الشعب. هذا الشعب لم يستفتَ على الحرب، ولم يستفد منها، ولم يختر ممثليه فيها. هو الضحية الأولى والأخيرة.

أغلبية اليمنيين اليوم تقول كلمتها بوضوح: وقف فوري لإطلاق النار، فتح ممرات الحياة، ثم حوار يمني-يمني يقرر فيه الشعب وحده من يحكمه، عبر صندوق الاقتراع لا صندوق السلاح.

في الختام
إن السلام لا يُشترى بسلاح، ولا يُفرض بأمر واقع، ولا يُؤجل بحسابات القوة. السلام يبدأ حين تكون كرامة الإنسان اليمني أغلى من كرسي السلطة، وحين يدرك الجميع أن الوطن أكبر من الجماعة، وأن اليمن أعظم من المشروع.

لقد أثبتت هذه الحرب حقيقة واحدة: الرابح الوحيد هو الخراب. والخاسر الوحيد هو اليمن: أرضاً وإنساناً وتاريخاً.

على القوى المدنية، والإعلام الحر، والمجتمع، أن يكثفوا ضغطهم لكسر حالة “اللا حرب واللا سلم”، وأن يسمّوا من يعرقل السلام باسمه وصفته، أياً كان.

ستختلف مصالح دول الإقليم والعالم، وستبقى. لكن السؤال الذي سيكتبه التاريخ بحبر الدم هو: من أعاد لليمنيين وطنهم المسروق؟ ومن أنصف الملايين الذين لم يطلبوا إلا السلام والكرامة؟

التاريخ لن يحفظ بيانات مجلس الأمن. لكنه سيحفظ أن شعباً بأكمله دفع ثمن صراع على الكراسي، وأن مطلبَه الأول والأخير كان: السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!