المنطقة العمياء: تشريح أربعة عقود من اغتيال الدولة..

البعث نيوز ـ امين الحاج
الحقيقة المرة لا تُقال دفعة واحدة… بل تُنحت في وجدان الشعوب بمعاول الألم والتجربة.
وما يصرخ به اليوم قادة وضباط وأفراد الجنوب والشمال، ممن سرحوا قسراً، ليس جلداً للذات. هو تشريح لجريمة ممتدة عبر أربعة عقود.
جريمة بدأت يوم تحولت السلطة من حق شعبي مقدس إلى وصاية مناطقية، ومن مشروع وطني جمهوري إلى غنيمة عائلية قبلية.
هذا بيان في زمن التزييف، وشهادة للتاريخ أن اليمن لم يسقط فجأة… بل تم اغتياله على مراحل.
الاغتيال الأول – اغتيال الجمهورية
اليمن لم يسقط بسقوط صنعاء في يد الحوثي. اليمن سقط يوم سقط مبدأ الشراكة.سقط يوم احتكرت “الزيدية السياسية” السلطة منذ سبعينيات القرن الماضي، وشرعت في تصفية قادة وكوادر الجيش الوطني الجمهوري صناع 26 سبتمبر وملحمة السبعين.
بدأت باغتيال قائد الثورة الشهيد علي عبد المغني، ومرت باغتيال الشهيد عبد الرقيب عبد الوهاب ورفاقه، وخُتمت باغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي ورفاقه.
ثم حُوّل الجيش والأمن وكل مفاصل دولة الجمهورية العربية اليمنية إلى إقطاعيات قبلية عائلية مغلقة… تُدار بزي جمهوري لثلاثة عقود.
الاغتيال الثاني – اغتيال الوحدة جاءت الوحدة في 22 مايو 1990 كحلم لشعب بأكمله. حلم برخاء الأرض والإنسان.
لكن “قوى النفوذ” نظرت إليها كمشروع تمدد وسيطرة على السلطة والثروة ليس إلا.
فاغتالوا الوحدة وطنياً، وطمسوا تاريخ وتضحيات صناع 14 أكتوبر المجيدة، حتى وصلوا إلى إقصاء الرئيس علي سالم البيض ورفاقه… الشركاء الحقيين في مشروع الوحدة والتعددية.
ثالثاً: عسكرة المحاصصة وقتل المؤسسة
اسألوا التاريخ: من قاد الحرس الجمهوري؟ من احتكر الفرقة الأولى مدرع؟ من ورث الأمن المركزي والقوات الجوية والخاصة؟
هذه القوات لم تحمِ الجمهورية… بل اغتالتها. حولت الجيش من حارس للوطن إلى حارس للغنيمة.نفس القوى انقلبت على المشروع الوطني الجمعي “مخرجات الحوار الوطني”، لأنها ترفض قيام دولة النظام والقانون من الأساس.
صناعة القطيع وقتل السياسة
مزقوا اليمن ومزقوا القوى الوطنية. صنعوا أحزاباً على مقاس القبيلة، وكسروا مفهوم التعددية.
جعلوا الدولة والحزب غنيمة، والحزب هو الوطن.
وقادوا المنتفعين كالقطيع باسم الديمقراطية المزيفة: بشراء الذمم، وتوزيع الوظائف كصدقات. فأفسدوا السياسة وقتلوا
اقتصاد المحاصصة – غنيمة الهضبة وفتات الباقين
أداروا الدولة كغنيمة مقسمة بقسمة الجاهلية.
قيادات ومشائخ وسادة وجنرالات “الهضبة” يمتلكون آبار النفط والغاز، ومعسكرات وهمية، وشركات، ومؤسسات.
أما المنتفعون من باقي المحافظات فلا يملكون إلا بئر ماء، ومولد مسروق، وقاطرة نفط، وتجنيد أسرة كاملة في معسكر تابع لحصة “حزب الهضبة”.
هذا هو الفرق بين من يرث الدولة، ومن يتسول فتاتها.
الحوثي… الابن الشرعي للمنظومة الحوثي ليس حادثاً نزل من السماء. هو الابن الشرعي لمنظومة ترفض التعدد، وتؤمن أن الحكم حق حصري لها.منظومة مستعدة للتحالف مع الشيطان من أجل البقاء.ومن يتجاهل جذور الداء، سيظل عاجزاً عن وصف الدواء.
أبناء الوطن في المنطقة العمياء في هذا المشهد يقف غالبية أبناء الشعب اليمني في “المنطقة العمياء من التاريخ
لا هم سلالة ليرثوا السلطة، ولا هم دعاة تمزيق.
هم دعاة دولة نظام وقانون وعدالة ومواطنة متساوية وعيش بكرامة… ككل شعوب العالم.
المفارقة القاسية: كل من ضحى للوطن هو آخر من يحصل منه على شيء. بل صار يموت جوعاً. لأن الثقافة السياسية بُنيت على قاعدة “سادة وعبيد”
لا خلاص إلا بالدولة أحد أسباب الكارثة: غياب الجيش الوطني المهني، وتناسل المليشيات التي تحارب بالنيابة عن الدولة. فصار السلاح أسهل طريق للسلطة.
ونحن لا نحارب القبيلة ككيان اجتماعي… نحارب العقلية القبلية التي تقف عائقاً أمام قيام دولة عادلة سقفها القانون.
لا خلاص لهذا الوطن الجريح إلا بسلطة مدنية ديمقراطية… منتخبة من الشعب وإلى الشعب.
سلطة تحاسب كل من شارك وتسبب واستمرأ هذه الحرب العبثية، من قادة عسكريين ومدنيين.
فبناء اليمن لا يبدأ بإعادة تشييد الجسور… بل بإعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة المتساوية.
حين تنتصر الدولة على الغنيمة، والقانون على العصبية، والمواطن على الرعية… عندها فقط يبدأ اليمن رحلته الحقيقية من المنطقة العمياء إلى النور.🇾🇪


