الحماية الجمركية ركيزة سيادية لتوطين الإنتاج وحماية الأمن القومي الغذائي..

البعث نيوز ـ بقلم/ ناصر العامري
في لحظة اقتصادية فارقة وتزامناً مع احتفالات شعبنا بأعياده الوطنية المجيدة، وضعت الحكومة اليمنية النقاط على الحروف عبر خطوة إستراتيجية طال انتظارها لتعزيز السيادة الغذائية وتوطين الصناعة؛ حيث كشفت الوثائق الرسمية الصادرة عن وزارة المالية، وعبر توجيهات معالي الوزير مروان فرج بن غانم، عن بدء التنفيذ الفعلي لقرار فرض تدابير تعويضية ورسوم بنسبة عشرين بالمائة على واردات الدقيق ومياه الشرب.
إن هذا القرار الذي دخل حيز التنفيذ في المنافذ الجمركية مطلع مايو الجاري ولمدة ستة أشهر قابلة للتمديد، لا يمثل إجراءً جمركياً جباياً عابراً، بل هو أداة دفاع تجاري سيادية لحماية رؤوس الأموال الوطنية والأيدي العاملة، وانتشال الاقتصاد الكلي من فخ التبعية الاستهلاكية المزمنة والتحرك الجاد نحو الإنتاج المستدام وسط عالم تتقاذفه الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد.
لقد لاقى هذا القرار الحمائي ترحيباً واسعاً وغير مسبوق في الأوساط الاقتصادية والتجارية والنخبوية، باعتباره نقطة تحول حقيقية لفرض هيبة الدولة في ضبط الأسواق، وكسر ممارسات الإغراق السلعي غير العادلة التي أضرت بالسوق وطحنت المنتج المحلي.
وإن تعامل دول العالم قاطبة مع صناعة الدقيق كمسألة أمن قومي لا تقبل المساومة، يفرض علينا إدراك خطورة ترك الباب على مصراعيه أمام تدفق الدقيق الجاهز المستورد، والذي يحظى أحياناً بدعم في بلد المنشأ بهدف تقويض البنية التحتية للصناعة الوطنية.
إن هذا الإغراق الممنهج يدفع بالشركات المحلية نحو الانهيار والإغلاق، وهو أمر عالي الخطورة يضع القوت اليومي للمواطن تحت رحمة التقلبات الخارجية والتحولات العسكرية الدولية، ويجعل أسعار السلع مرتهنة لصدمات الشحن والنقل كما تجرعنا مراراً في أزمات السنوات الماضية.
وينطلق تأييدنا المطلق والمسؤول لهذا التوجه التصحيحي من وعي اقتصادي وإستراتيجي عميق، يعي جيداً الفارق الجوهري بين اقتصاد يقوم على الإنتاج والتصنيع واقتصاد يكتفي بالاستهلاك المستمر؛ فكما أشار مؤخراً المستشار والصحفي الاقتصادي محمد الجماعي، يمتلك اليمن بنية تحتية صناعية قوية وقادرة على الصمود متمثلة في تسع مطاحن وصوامع غلال كبرى تعمل بطاقات إنتاجية عالية وبعمالة يمنية بنسبة مائة بالمائة.
إن هذه المنظومة ليست مجرد مصانع، بل هي المخزون الإستراتيجي الفعلي وصمام الأمان الغذائي للبلاد، وترك المنتج النهائي المستورد يزاحمها بشكل غير عادل يهدد بتدمير أصول رأسمالية تراكمت عبر عقود، ويسرح عشرات الآلاف من العمالة المباشرة وغير المباشرة، ويصيب القطاعات المرتبطة بالنقل والتعبئة والخدمات اللوجستية بالشلل التام، مما يقود في النهاية إلى انكشاف غذائي وانهيار كامل لبنية الأمن القومي.
وفي مقابل هذا الحراك الوطني، يثير بعض المناهضين للقرار حججاً واهية ومبررات عاطفية مجتزأة تتعلق بالمنافسة والاحتكار، وهي ادعاءات تدحضها التجارب الدولية المعاصرة؛ فالحمائية الاقتصادية حق سيادي تمارسه كبرى الاقتصادات لحماية أمنها، من القانون الموحد لمكافحة الإغراق في دول الخليج العربي، إلى رسوم الجزائر التي تصل لثلاثين بالمائة، وصولاً إلى الهند وأمريكا وأوروبا التي تفرض رسوماً دفاعية تتراوح بين أربعين وتتجاوز مائة بالمائة.
وبناءً على ذلك، فإن نسبة العشرين بالمائة المحلية هي الحد الأدنى لفرض سيادة الدولة، وعلى المستوردين المناهضين للقرار أن يثبتوا وطنيتهم وحرصهم على قوت البسطاء عبر المنافسة الحقيقية والاستثمار في بناء مطاحن وصوامع غلال جديدة داخل البلد، تسهم في رفع القدرة التخزينية وتوليد القيمة المضافة محلياً، بدلاً من ممارسة الإغراق السلعي والانسحاب من الأسواق فور حدوث أي أزمة طارئة كما أثبتت التجارب المتكررة.
وفي المحصلة، إن حماية المستهلك الحقيقية والمستدامة لا تتحقق برهن رقابنا لأسواق خارجية تمدنا برغيف رخيص عابر وقصير المدى، بل تتجسد في بناء اقتصاد إنتاجي متين يحمي العامل والمستثمر والمواطن معاً تحت مظلة رقابة حكومية صارمة تمنع الاحتكار وتضمن استقرار الأسعار وتوازنها بما يناسب القدرة الشرائية للمواطنين.
إننا إذ نبارك هذه الخطوة الشجاعة لوزارتي المالية والصناعة والتجارة، نؤكد أن الالتفاف حول المنتج الوطني هو الخطوة الأولى والأهم نحو استعادة القرار المستقل، ونحو صياغة مستقبل آمن يبدأ أولاً وأخيراً من صوامعنا



