مقالات

اليمن على حافة المفاوضات.. فرصة لن تتكرر.


البعث نيوز ـ بقلم: صفوان سلطان

حين تتوقف المدافع ولو مؤقتًا، لا تتوقف السياسة. وحين تجلس القوى الكبرى على طاولة التفاوض، لا تنتظر غائبًا ولا تلتفت إلى من لا يُسمع صوته. هذه ليست قسوة الدبلوماسية فحسب، بل هي قانونها الأزلي الذي لا يرحم الغافلين ولا يُكافئ المترددين.

اليوم، وبينما تتشكل ملامح تسوية ما بين واشنطن وطهران على أنقاض حرب لم تبرد جمراتها بعد، يقف اليمن في مفترق طرق حقيقي. ليس مفترق طرق عسكري هذه المرة، بل مفترق طرق أشد خطورة: هل ستكون الشرعية اليمنية فاعلًا في رسم مستقبلها، أم أنها ستُكتفى بالفرجة على من يرسمه نيابةً عنها؟

الحوثي على الطاولة.. واليمن تحت الطاولة

ما كشفته الأشهر الأخيرة من مسار الحرب الأمريكية الإيرانية ومفاوضاتها المتعثرة يستوجب وقفة تحليلية جادة. فالمقترح الأمريكي الذي حملته إسلام آباد إلى طهران تضمن صراحةً بندًا يتعلق بتقييد الدعم الإيراني للأذرع المسلحة في المنطقة، ومن بينها الحوثيون في اليمن. غير أن الأيام التالية كشفت عن انقسام داخل الإدارة الأمريكية ذاتها حول هذا البند: ترامب يُدرجه في خطابه، وروبيو يُغفله في تصريحاته، وهيغسيث يتجاوزه كأنه لم يكن.

هذا الانقسام ليس تفصيلًا إجرائيًا عابرًا. إنه مؤشر بالغ الدلالة على أن ملف الحوثي قد يكون أول ما يُضحى به في لحظة التسوية الكبرى. فالصفقات الكبرى لا تُبنى على الكمال، بل تُبنى على الحد الأدنى المقبول من الطرفين، وهذا الحد الأدنى قد لا يشمل إنهاء الوجود الحوثي المسلح، بل الاكتفاء بـ”إضعافه”، وهو توصيف فضفاض يكفي لإتمام الصفقة دون أن يحل شيئًا من الأزمة اليمنية.

ما يُقلق أكثر هو ما تُسميه مراكز الأبحاث الأمريكية الكبرى “خطأ التعريف المبتور للنجاح”. فمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حذّر صراحةً من أن أي اتفاق يُركّز على الملف النووي الإيراني مع ترك شبكة الوكلاء دون معالجة حقيقية إنما يُكرر الإخفاقات التاريخية الأمريكية في المنطقة. والتحذير موجّه لواشنطن، لكن الضحية الأولى لهذا الإخفاق ستكون اليمن.

الحوثي يُحسن القراءة.. فهل تُحسنها الشرعية؟

ما لفت انتباه المحللين الاستراتيجيين في تعامل الحوثيين مع هذه الحرب هو الانضباط الاستراتيجي المدروس الذي أبدوه للنجاة من الوضع الحالي. فقد أمضوا شهرًا كاملًا على الهامش دون أن يُعلنوا دخول الحرب، ثم دخلوا بضربة محدودة لا تكسر الهدنة مع واشنطن وتُرسّخ في الوقت ذاته حضورهم داخل محور المقاومة. توقيت محسوب، وأثر سياسي مضخّم بأقل ثمن عسكري ممكن.

والأخطر أن الحوثيين يوظفون هذا المشهد لتعزيز موقعهم الداخلي في اليمن. كل صاروخ يطلقونه نحو إسرائيل يُترجم في الداخل اليمني خطابًا شعبويًا يُقوّض الشرعية ويُصوّر السلطة الشرعية على أنها خارج معادلة الصراع الكبرى. هذه المعادلة الدعائية ستستمر حتى بعد انتهاء الحرب، ما لم تُبادر الشرعية إلى تكسيرها بموقف واضح وحضور فاعل.

مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية يذهب إلى أبعد من ذلك، حين يرى أن الحوثيين قد يسعون في مرحلة ما بعد الحرب إلى ملء الفراغ الذي تركه إضعاف حزب الله، ليصبحوا المحور الجديد للمقاومة في المنطقة. وهذا سيناريو لا يعني فقط استمرار التهديد العسكري لليمن، بل تحوّل الحوثي من مشكلة يمنية داخلية إلى لاعب إقليمي يحظى بشرعية رمزية في الشارع العربي، وهو ما سيجعل أي تسوية دولية معه أشد تكلفةً على الشرعية اليمنية.

الحج فرصة.. لكن من سيستثمرها؟

ثمة نافذة زمنية تفتح أمام الشرعية اليمنية الآن. موسم الحج المقبل يُشكّل عاملًا مؤخِّرًا حقيقيًا لأي استئناف للحرب. الرياض لن تقبل باشتعال المنطقة وملايين الحجاج على أراضيها، وواشنطن رفعت درجة التحذير الأمني لرعاياها في المملكة، مما يعني أن الأسابيع القادمة حتى منتصف يونيو ستكون مرحلة دبلوماسية لا عسكرية بامتياز.

هذه النافذة لن تظل مفتوحة طويلًا. وعلى الشرعية اليمنية أن تُدرك أن الفرصة لا تُطرق الباب مرتين في زمن المفاوضات الكبرى.

ما المطلوب تحديدًا؟ ثلاثة مسارات متوازية لا يمكن الاكتفاء بواحد منها:

المسار الأول: توظيف الخطاب الأمريكي ذاته.إن ترامب قال صراحةً إن أهداف الحرب تشمل وقف تسليح الأذرع الإيرانية في المنطقة، فعلى الشرعية اليمنية أن تتمسك بهذا الخطاب وتُذكّر واشنطن به في كل منبر وكل لقاء. الحوثي ذراع إيرانية موثقة بقرارات أممية ودراسات دولية لا تحتمل الجدل. واستثمار هذا التوثيق في المفاوضات الجارية واجب سياسي لا خيار دبلوماسي.

المسار الثاني: إيصال صوت اليمن إلى الرياض.
المملكة العربية السعودية هي اللاعب الأكثر تأثيرًا في الملفين الإيراني واليمني في آنٍ واحد. وهي اليوم في موقع يتيح لها ممارسة ضغط حقيقي لإدراج ملف الحوثي كشرط لازم في أي تسوية مع طهران. الشرعية اليمنية التي لا تُحسن التواصل مع صانع القرار السعودي في هذه اللحظة بالذات تُضيّع رصيدها الاستراتيجي الأثمن.

المسار الثالث: بناء رواية دولية متماسكة.
الشرعية اليمنية تحتاج إلى خطاب موحد ومتسق أمام المجتمع الدولي يُقدّم الحوثي لا بوصفه طرفًا يمنيًا في نزاع داخلي، بل بوصفه أداةً إيرانية موثقة تُهدد استقرار المنطقة. هذه الرواية إن أُحسن بناؤها ستُغلق أمام أي اتفاق أمريكي إيراني باب تجاوز الملف اليمني.

خاتمة: التاريخ لا يرحم الغائبين

حين وُقّعت اتفاقية الطائف عام 1989 أُنهيت الحرب الأهلية اللبنانية، لكنها أبقت حزب الله سلاحًا خارج الدولة لأن أصحاب القرار وقتها اختاروا الاكتفاء بالحد الأدنى. وكانت النتيجة أن لبنان دفع ثمن ذلك القرار لعقود متتالية.

الدرس اليمني من هذه الحادثة التاريخية بسيط وقاسٍ في آنٍ واحد: التسويات الدولية التي لا تُعالج جذور الأزمة تُؤجّل الانهيار ولا تمنعه. واليمن لا يتحمل ترف التأجيل بعد عقد من الحرب والمجاعة والتشريد.

الشرعية اليمنية أمام لحظة تاريخية نادرة. فالعالم يتفاوض الآن، والطاولة لم تُغلق بعد، والأوراق لم تُوزَّع نهائيًا. لكن هذه اللحظة لن تنتظر، والتاريخ لا يمنح رصيدًا لمن يصل متأخرًا.

السؤال ليس إن كانت الشرعية ستُشارك في هذه المعادلة، بل كيف ستُشارك وبأي ثقل وبأي وضوح. وهذا هو الاختبار الحقيقي لقيادة تطمح إلى بناء يمن جديد على أنقاض حرب طويلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!