مقالات

القرار السياسي أولًا: حدود القضاء في الملفات المرتبطة بالمجلس الانتقالي


البعث نيوز ـ بقلم / سيف الحاضري


إن المحاكمات ذات الطابع السياسي، ولا سيما تلك المرتبطة بأحداث الانقلابات المسلحة، والتمرد على مؤسسات الدولة، وتشكيل كيانات عسكرية وأمنية خارج الإطار الرسمي، والسيطرة على مؤسسات الدولة بالقوة، لا يمكن أن تتحول إلى مسار قضائي جاد ومستقر بمجرد وجود نصوص قانونية أو وقائع جنائية قابلة للتحقيق؛ بل تحتاج قبل ذلك إلى قرار سياسي واضح تتبناه الدولة بمختلف سلطاتها ومؤسساتها.

فهذا النوع من الملفات لا يُدار بمنطق الإجراءات القضائية المجردة فقط، وإنما يرتبط بطبيعة القرار السيادي للدولة، وبمدى وجود إرادة سياسية حقيقية للانتقال من مرحلة إدارة الأزمة واحتواء القوى المتصارعة، إلى مرحلة استعادة الدولة وفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء.

وفي هذا السياق، تبرز قضية عيدروس الزبيدي وقيادات المجلس الانتقالي، السياسية والعسكرية والأمنية، باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، نظرًا لارتباطها المباشر بأحداث مست بنية الدولة، ووحدة القرار العسكري والأمني، وما رافق ذلك من تشكيلات مسلحة خارج المؤسستين العسكرية والأمنية، وصدامات مع القوات الحكومية، وسيطرة على مؤسسات الدولة، إضافة إلى التشابكات الإقليمية والدولية التي أحاطت بهذا الملف منذ بداياته.

ومن هنا، فإن السؤال الجوهري لا ينبغي أن يبدأ من النيابة العامة أو من النائب العام، وإنما من القيادة السياسية نفسها:

هل اتخذ مجلس القيادة الرئاسي قرارًا سياسيًا واضحًا بمحاكمة هذه القيادات؟

وهل تملك مؤسسات الشرعية موقفًا موحدًا تجاه المجلس الانتقالي وتشكيلاته المسلحة؟

وهل يوجد، في الواقع الراهن، دعم إقليمي، وتحديدًا سعودي، لأي مسار جاد يذهب باتجاه فتح هذا الملف قضائيًا؟

هذه الأسئلة هي جوهر المسألة. فالمطالبة بمحاكمة عيدروس الزبيدي وقيادات المجلس الانتقالي دون وجود قرار سياسي واضح، ودون غطاء سيادي من مجلس القيادة الرئاسي، ودون تفاهم أو دعم سعودي في هذه المرحلة، تبدو مطالبة غير مكتملة الشروط الواقعية، مهما كانت وجاهتها القانونية أو السياسية.

فالنيابة العامة ليست سلطة سياسية بديلة، والنائب العام لا يستطيع وحده أن يحمل عبء مواجهة ملف بهذا الحجم، بينما يجري في الوقت نفسه التعامل مع قيادات المجلس الانتقالي كشركاء داخل بنية السلطة، وتثبيت بعضهم عبر قرارات رسمية، وإدماجهم في معادلات الحكم، والتمثيل، والإدارة، والأمن، والعسكر.

ومن غير المنطقي تحميل النائب العام أو النيابة العامة كامل المسؤولية عن عدم تحريك هذه الملفات، بينما القرار السياسي الأعلى ما يزال يتجه نحو الاحتواء لا المواجهة، ونحو إعادة الدمج لا المساءلة، ونحو إدارة التوازنات لا حسمها.

إن القضاء، مهما كان دوره مهمًا، لا يستطيع منفردًا إدارة ملفات سياسية وأمنية بهذا الحجم في ظل استمرار الغطاء السياسي، وغياب التوافق داخل مؤسسات الشرعية، واستمرار التعامل الإقليمي مع المجلس الانتقالي باعتباره جزءًا من معادلة المرحلة لا مجرد طرف متمرد على الدولة.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

الأول: أن الأفعال المرتبطة بتقويض مؤسسات الدولة، وتشكيل قوات خارج إطارها، والسيطرة على مؤسساتها، ومواجهة قواتها، هي أفعال تستوجب من حيث الأصل المساءلة وفقًا للدستور والقانون.

والثاني: أن تحويل هذه الأفعال إلى مسار قضائي فعلي يتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا، لا مجرد رغبة إعلامية أو مطالبات متفرقة أو مواقف ظرفية.

فلا يمكن أن تطالب النيابة العامة بمحاكمة قيادات يجري في الوقت ذاته منحها مواقع رسمية داخل الدولة، أو التعامل معها كشريك سياسي وعسكري، أو تثبيت نفوذها بقرارات صادرة عن ذات السلطة التي يفترض أن تطلب مساءلتها.

ولهذا، فإن المسؤولية الأساسية تقع أولًا على مجلس القيادة الرئاسي، باعتباره الجهة المعنية بصياغة القرار السيادي للدولة، وتحديد طبيعة العلاقة مع القوى المسلحة خارج الإطار المؤسسي، وحسم ما إذا كانت الدولة ستذهب باتجاه بناء مؤسسات موحدة تحت سقف القانون، أم ستبقى أسيرة لتوازنات مؤقتة تُبقي السلاح متعددًا، والقرار منقسمًا، والشرعية عاجزة عن فرض سلطتها.

وفي الواقع الراهن، لا يمكن تجاهل أن أي قرار سياسي بهذا الحجم يحتاج إلى موقف سعودي واضح وداعم، بحكم الدور المحوري للمملكة في الملف اليمني، وتأثيرها المباشر في بنية الشرعية، وفي معادلات التوازن بين مكوناتها. فغياب الدعم السعودي، أو استمرار سياسة الاحتواء، سيجعل أي مسار قضائي ضد قيادات المجلس الانتقالي مسارًا هشًا، قابلًا للتعطيل أو التسييس أو الاستخدام كورقة ضغط لا كأداة حقيقية لاستعادة الدولة.

وبالتالي، فإن المدخل الصحيح ليس تحميل النيابة العامة وحدها مسؤولية ملف يفوق قدرتها المؤسسية في ظل الظروف الحالية، بل مطالبة القيادة السياسية أولًا بحسم موقفها: هل تريد دولة واحدة بجيش واحد وأمن واحد وقرار سيادي واحد؟ أم تريد استمرار معادلة الشراكة الهشة مع قوى تمتلك تشكيلاتها المسلحة ومراكز نفوذها الخاصة؟

إن أي توجه جاد نحو استعادة الدولة لا يبدأ من قاعة المحكمة فقط، بل يبدأ من قرار سياسي شجاع يعيد تعريف العلاقة بين الشرعية ومراكز القوة المسلحة، ويضع حدًا لازدواجية السلطة، ثم يفتح بعد ذلك الطريق أمام القضاء والنيابة العامة للتحرك ضمن غطاء دستوري وسياسي واضح.

أما استمرار إدارة هذا الملف بمنطق التوازنات المؤقتة، واستخدامه كورقة ضغط عند الحاجة، مع تحميل القضاء وحده مسؤولية عدم الحسم، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الهشاشة، وإضعاف مؤسسات الدولة، وإطالة عمر الفوضى التي جعلت اليمن رهينة لصراعات الداخل وحسابات الخارج.

وفي المحصلة، فإن محاكمة قيادات المجلس الانتقالي ليست مسألة قانونية مجردة فحسب، بل هي قبل ذلك قرار سياسي سيادي. وما لم يصدر هذا القرار من مجلس القيادة الرئاسي، ويحظَ في هذه المرحلة بغطاء ودعم سعودي واضح، فإن تحميل النائب العام أو النيابة العامة مسؤولية عدم تحريك الملف يبقى قراءة قاصرة لا تدرك طبيعة التعقيد السياسي والأمني والإقليمي المحيط بالقضية.

فالعدالة لا يجب أن تُعطَّل، لكن العدالة في الملفات الكبرى تحتاج إلى دولة تقف خلفها، لا إلى نيابة تُترك وحدها في مواجهة معادلة سياسية لم تحسمها القيادة بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!