بين الحرب والتدخلات الخارجية:كيف تحول الوطن إلى ساحة صراع

بقلم / امين الحاج
“اليمن، البلد الذي يمتلك موقعًا استراتيجيًا هامًا وثروات طبيعية كبيرة، أصبح ساحة لصراعات إقليمية ودولية، حيث يدفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا. حالة اللاحرب واللاسلم أصبحت واقعًا معتادًا، لكن السؤال الأهم: هل يمكن لليمن أن يخرج من هذا الواقع نحو مستقبل أفضل؟
لم تعد حالة اللاحرب واللاسلم في اليمن مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى ساحة تتداخل فيها مصالح دولية، حيث يسعى كل طرف خارجي إلى تعزيز نفوذه وتوسيع مصالحه، بينما يدفع الشعب اليمني الثمن الأكبر.
في البداية، اعتقد الكثيرون أن الأزمة يمنية محضة، لكن مع الوقت اتضح أنها جزء من صراعات إقليمية ودولية، فكل تصريح أو تحرك عسكري بات مرتبطًا بحسابات دول ترى في اليمن موقعًا استراتيجيًا هامًا.
ولم يعد التدخل الخارجي مقتصرًا على المواقف السياسية، بل امتد إلى الاقتصاد والإعلام والسلاح والتحالفات الإقليمية. فاليمن، بموقعه الاستراتيجي الذي يتحكم بمضيق باب المندب والممرات البحرية، وثرواته الطبيعية الكبيرة (نفط، غاز، موانئ)، أصبح ساحة تنافس دائم بين قوى إقليمية ودولية تسعى لحماية مصالحها وتوسيع نفوذها.
هذا الصراع حول النفوذ الاقتصادي والمواقع الاستراتيجية جعل اليمن جزءًا من تنافس إقليمي، بينما تبدو الدول الكبرى أكثر اهتمامًا بمنع انهيار الوضع بطريقة تهدد مصالحها، أكثر من اهتمامها بحل الأزمة. وهذا يفسر استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، دون حسم كامل أو سلام حقيقي – حالة فوضى مستمرة تتيح لكل الأطراف الاحتفاظ بأوراق القوة وانتظار تغير الظروف لصالحها.
.
كما أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل جزءاً من الصراع نفسه، حيث تستخدم الأطراف المختلفة الخطاب الإعلامي لبناء روايات سياسية وتوجيه الرأي العام، في معركة لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية. وبين كل هذه الحسابات السياسية، يبقى المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر، هنا وهناك سلطات لا توفر ابسط الخدمات الأساسية للمواطنين المياة والكهرباء والخبز والرواتب لأسر كثيرة من موظفين بلا رواتب وأسر فقدت منزلها، وطفل انقطع عن التعليم، ومريض لا يجد العلاج، وشباب فقدوا الأمل في المستقبل.
والخطر الأكبر في الحروب الطويلة ليس فقط الدمار والخراب، بل تحول حالة اللاحرب واللاسلم إلى واقع معتاد، حيث يتكيف المجتمع تدريجيًا مع الانقسام والعنف والفوضى كأمور طبيعية.
المشكلة أن بعض القوى المتصارعة هنا وهناك أصبحت تستفيد من استمرار الحرب، فكلما طالت الأزمة، بقيت هذه القوى داخل المشهد السياسي والعسكري، واستمرت شبكات النفوذ و”اقتصادات الحرب” المرتبطة بالسلاح والتهريب والسيطرة على الموارد. ومع ضعف الدولة وانهيار الاقتصاد، يعيش ملايين اليمنيين في ظل الفقر والخوف والجوع والنزوح.
لهذا، انتظار الحل من الخارج وحده يبدو صعبًا، فالدول تتحرك وفق مصالحها، لا وفق مصلحة اليمن. أما المواطن اليمني، فيتحمل الخسائر كلها: فقدان الأمن، ضياع فرص الحياة، وتفكك المجتمع. الدولة القوية لا تقاس فقط بالجيش والسلاح، بل بقدرتها على حماية القرار الوطني وبناء مؤسسات مستقلة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة.
الدولة في جوهرها ليست مجرد مؤسسات أمنية أو حدود جغرافية، بل شعور جمعي بالانتماء والثقة والعدالة. وعندما يفقد المواطن ثقته في الدولة، تحل الجماعات والولاءات الضيقة محل الوطن. الأزمة اليمنية ليست نتيجة الخارج وحده، بل نتيجة تراكم من الانقسامات السياسية، ضعف المؤسسات، وفشل النخب في بناء مشروع وطني جامع.”*
“الخطر الحقيقي ليس فقط استمرار الحرب، بل أن يتحول اليمن إلى دولة ضعيفة لا تملك قرارها، وأرضها مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين. المعركة الأساسية بين فكرتين: فكرة تريد اليمن ساحة نفوذ، وفكرة تريد اليمن وطنًا مستقلًا يقرر مستقبله بنفسه. أي طريق للخروج يحتاج إلى مشروع وطني واسع، تقوده القوى المدنية، ويضع مصلحة اليمن فوق مصالح السلاح والمحاور الخارجية.”
البداية الحقيقية: كيف يستطيع اليمنين التوصل الى وقف الحرب، وإعادة بناء الدولة على أساس العدالة والسيادة والمؤسسات. السؤال الأهم: من يبني اليمن بعد الحرب؟ التجارب أثبتت أن النخب العسكرية وحدها لا تصنع دولة، والتسويات بين مراكز القوة تبقى هشة ما لم تستند إلى قاعدة شعبية واسعة.
“البديل الحقيقي: مشروع مجتمعي جديد يعيد الاعتبار للإنسان اليمني البسيط (العامل، المزارع، المعلم، الطبيب، الطالب، المرأة، الشباب). هم ليسوا ضحايا فقط، بل عماد القوة القادرة على إعادة بناء الوطن إذا تحولت معاناتهم إلى وعي وطني جامع. ضرورة بناء جبهة شعبية للديمقراطية والتغيير، قائمة على المواطنة والعدالة والسيادة الوطنية.”
الأوطان لا تُنقذ عبر البنادق أو الاتفاقات فقط، بل عبر إعادة بناء الإنسان: إنسان يؤمن أن الدولة فضاء للكرامة والحرية والعدالة. عندما يتحول المواطن من متلقٍ للخوف إلى شريك في القرار، تبدأ الدولة بالخروج من الحرب إلى أفق الوطن.
اليمن يقف أمام لحظة تاريخية: إما استعادة مشروع الدولة القائم على العدالة والمؤسسات والسيادة، أو البقاء عالقًا في دائرة الحرب والتدخلات والانقسام. ما لم تتقدم القوى الوطنية بمشروع جامع، فإن الخطر لن يكون استمرار الحرب فقط، بل تحول الأزمة إلى واقع دائم.
خاتمآ
“اليمن بحاجة إلى مشروع وطني جامع يقوده الشعب، لا المحاور الخارجية أو السلاح. البداية الحقيقية تكمن في إعادة بناء الإنسان اليمني، وتحويل معاناته إلى وعي وطني قادر على بناء دولة قوية ومستقلة. فالأوطان لا تُبنى بالحرب، بل بالعدالة والسيادة والكرامة.”



