مقالات

حماية المنتج الوطني.. معركة الاقتصاد والسيادة والتنمية


البعث نيوز ـ حمدي محمد


في ظل التحديات الاقتصادية المتصاعدة التي تواجهها اليمن، تبرز قضية حماية المنتج الوطني والصناعات المحلية كأحد أهم الملفات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الاقتصادي والاستقرار الوطني. فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية، بل بقدرتها على بناء اقتصاد منتج يحمي صناعاته الوطنية ويوفر فرص العمل ويقلل الاعتماد على الخارج.

وخلال إحدى اجتماعاته مع الحكومة، شدد فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي د /رشاد محمد العليمي على أهمية حماية المنتج الوطني وتعزيز الصناعات المحلية، باعتبارها ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني وتحريك عجلة التنمية، وهو توجه يعكس إدراكاً متزايداً لخطورة استمرار إغراق الأسواق بالبضائع المستوردة على حساب المصانع الوطنية التي تعاني من ظروف تشغيلية وإنتاجية صعبة.
ولذا
تُعد الصناعات الاستراتيجية، مثل مطاحن الدقيق ومصانع الإسمنت، من أهم القطاعات التي يجب أن تحظى بالحماية والدعم الحكومي، ليس فقط لدورها الاقتصادي، بل لارتباطها المباشر بالأمن الغذائي والعمراني للدولة. فمطاحن الدقيق تؤمن احتياجات السوق من المواد الأساسية، بينما تمثل مصانع الإسمنت عصب مشاريع البنية التحتية والإعمار، خصوصاً في بلد يحتاج إلى إعادة بناء واسعة في مختلف المحافظات.

لكن هذه الصناعات تواجه منافسة غير متكافئة نتيجة تدفق المنتجات المستوردة، التي تدخل أحياناً بأسعار مدعومة أو بإعفاءات وتسهيلات لا تحظى بها المصانع الوطنية، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع الإنتاج المحلي وإضعاف قدرته التنافسية، بل وتهديد بعض المصانع بالإغلاق

وعندما وقعت اليمن على اتفاقية “الجات” والتزامات التجارة الحرة، كان الهدف المعلن هو الانفتاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمار، غير أن التطبيق جاء في ظل اقتصاد هش وضعيف الحماية، ما أدى إلى نتائج عكسية أثرت سلباً على قطاعات إنتاجية عديدة

واليوم، تغير المشهد الاقتصادي العالمي بصورة كبيرة، فالكثير من الدول الكبرى التي كانت تدعو إلى تحرير التجارة عادت لفرض قيود جمركية وحواجز حماية على منتجاتها الوطنية، حمايةً لاقتصاداتها وصناعاتها المحلية. حتى الاقتصادات العملاقة باتت تتجه نحو سياسات “الحماية الذكية” التي توازن بين الانفتاح التجاري والحفاظ على الإنتاج الوطني

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم السياسات التجارية اليمنية بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي المحلي، وبما يمنح الصناعات الوطنية فرصة حقيقية للنمو والاستمرار

فيما تمتلك الحكومة ووزارة الصناعة والتجارة أدوات عديدة يمكن من خلالها دعم المنتج الوطني دون الإخلال بالتزامات اليمن الدولية، عبر حزمة من الإجراءات الإدارية والتنظيمية، من أبرزها

فرض معايير جودة صارمة على السلع المستوردة لحماية السوق من المنتجات الرديئة

إعادة النظر في الرسوم الجمركية على السلع المنافسة للصناعة المحلية

منح تسهيلات ضريبية وتشغيلية للمصانع الوطنية

إعطاء الأولوية للمنتج المحلي في المناقصات الحكومية
مكافحة الإغراق التجاري والاحتكار
إطلاق حملات توعية لتشجيع استهلاك المنتج الوطني

إنشاء مناطق صناعية حديثة مرتبطة بالموانئ والمنافذ التجارية

كما أن تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمثل عاملاً أساسياً في إعادة تنشيط القطاع الصناعي وخلق بيئة استثمارية مستقرة وقادرة على جذب رؤوس الأموال
فيما تمتلك اليمن موقعاً جغرافياً استراتيجياً يجعلها مؤهلة لتكون مركزاً صناعياً وتجارياً مهماً في المنطقة، خصوصاً مع قربها من الأسواق الإفريقية عبر موانئ المخا وحضرموت وعدن.

ويمكن للصناعات الوطنية، إذا ما تلقت الدعم الكافي، أن تتحول من مجرد منتجات تغطي السوق المحلية إلى منتجات قابلة للتصدير والمنافسة إقليمياً

فالأسواق الإفريقية المجاورة تمثل فرصة واعدة للمنتجات اليمنية، سواء في مجال مواد البناء أو الصناعات الغذائية أو المنتجات التحويلية، وهو ما يتطلب رؤية اقتصادية بعيدة المدى تربط بين الصناعة والموانئ والنقل والاستثمار

إن حماية المنتج الوطني ليست شعاراً عاطفياً أو إجراءً مؤقتاً، بل سياسة اقتصادية تمارسها معظم دول العالم للحفاظ على مصالحها الوطنية. فكل مصنع يستمر بالإنتاج يعني مزيداً من فرص العمل، وكل صناعة وطنية تنمو تعني تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الاستقرار الاقتصادي

واليمن اليوم بحاجة إلى مرحلة جديدة عنوانها “الإنتاج أولاً”، عبر بناء اقتصاد يعتمد على الصناعة والزراعة والتصدير، لا على الاستيراد والاستهلاك فقط. فالدول القوية تُبنى بمصانعها، واقتصادها، وقدرتها على حماية مصالحها الوطنية في عالم تحكمه المنافسة والمصالح قبل الشعارات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!