مقالات

قبائل الوهم وحرائر السجون..

تفاصيل قصة هوليودية بطلتها فتاة تدعى كذباً بأنها ميرا صدام حسين

البعث نيوز ـ بقلم / ناصر بامطرف

تاريخياً كانت صيحة المرأة في العُرف القبلي اليمني بمثابة زلزال يهد أركان الطمأنينة ويدفع بالرجال إلى حتوفهم دون التفات إلى العواقب فلأجل مظلمة امرأة واحدة، كان النكف يُعلن، والبنادق تُشحذ، والتحالفات تُعقد في غضون ساعات.
لكن الزمن الحوثي الراهن ومعه حمى المنصات الرقمية، هبطا بهذا الإرث الأخلاقي الضارب في عمق الهوية اليمنية إلى درك سحيق من الابتذال والفصام، لدرجة باتت فيها النخوة والشهامة تُدار بخوارزميات الفيسبوك، وتُقاس بمعدلات المشاهدة والترند.
المشهد السريالي الذي يشغله اليمنيون هذه الأيام حول قضية الشابة “ميرا”— المنتحلة نسبها للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وهو أمر يخصها وحدها ولا يعني مصير أمة—يكشف عن عُوار قيمي حاد أصاب ضمير النخبة والقبيلة على حد سواء.
أن تتحول حكاية فتاة تبحث عن حماية أو تعويض، إلى قضية اليمن المصيرية الأولى التي تتسابق لأجلها القبائل لإصدار بيانات النصرة، ويسيل في سبيلها حبر المفسبكين والناشطين، فذلك ليس مجرد ترف أو سذاجة عابرة، إنه الهروب المخزي والممنهج من استحقاقات الشرف الحقيقي الواجب دفعه في الداخل.

المفارقة المأساوية التي تدمي قلوب العقلاء، تكمن في هذه الازدواجية الأخلاقية المقيتة التي يمارسها مشائخ الهاشتاجات وأشباه الوجهاء.
نراهم اليوم، وقد اهتزت حميتهم وارتكزت شواربهم واستنفرت قبليتهم لخصلة شعر قصتها فتاة في مقطع فيديو
ليغرقوا في تفاصيل قصة هوليودية بطلتها فتاة تدعى كذباً بأنها ميرا صدام حسين.
كيف تحولت سيدة، منتحلة ومحتالة بتزويرها لوثائقها الرسمية إلى قضية المصير الأولى لليمن واليمنيين، وكأن عروش سبأ وحمير لن تستقيم إلا بفك شفرة هذا النسب بينما يلوذون بالصمت الجبان، ويبلعون ألسنتهم، حيال أكبر وأبشع عملية تنكيل ممنهجة تتعرض لها المرأة اليمنية في التاريخ المعاصر على يد ميليشيا الحوثي.

أين تختبئ هذه النخوة الفجائية، وأين تلوذ رماح هؤلاء الفرسان الأشاوس، ومئات الماجدات والحرائر اليمنيات—بنات القبائل والبيوت المستورة—يُسقن جهاراً نهاراً إلى السجون السرية والعلنية للميليشيات السلالية؟
أين كانت هذه الغيرة العبسية العنترية عندما سحقت مليشيا الحوثي قيم العيب الأسود واقتحمت غرف نوم اليمنيات، واختطفتهن من أرصفة الشوارع، وأذاقتهن شتى أنواع التعذيب والاضطهاد والامتهان بتهم كيدية وضيعة.

لقد وقفت نساء يمنيات حرائر، من لحم ودم، في قلب الساحات والقرى، وأحرقن مقارمهن وعباءاتهن وهي الصيحة الأخيرة التي لو أُطلقت في زمن الآباء لزلزلت الأرض تحت أقدام الطغاة فما كان من مشائخ الغفلة وفيس بوكيو الطاعة إلا أن غضوا أبصارهم، وصموا آذانهم، ومارسوا التقية المخزية خوفاً على مصالحهم وخشية من غضب المشرف الحوثي.

إن التباكي على قصة الفتاة “ميرا” بات يمثل غسيل سمعة مجاني لنخب قبلية وإعلامية عجزت عن مواجهة الجلاد الحقيقي في صنعاء، فوجدت في هذا الملف متنفساً لممارسة رجولة افتراضية خالية من المخاطر والأثمان.
فالتضامن مع امرأة يمنية معتقلة لدى الحوثي قد يكلف الشيخ حريته، أو منزله، أو رأسه؛ أما التضامن مع حكاية عابرة للحدود فهو صك براءة يمنح صاحبه لقب الشهم من وراء الشاشات ودون دفع فلس واحد من رصيد شجاعته.

كفوا عن هذه الكوميديا السوداء، واستفيقوا من سكرة النفاق الرقمي فالكرامة اليمنية لا تجوز تجزئتها، والشهامة لا تُستورد بالهاشتاجات.
إن القبيلة التي لا تحمي بناتها من سياط الكهنوت والكاتب الذي لا ينتصر للمقهورات في زنازين الداخل، هما أبعد ما يكونون عن الشرف والقبيلة.
وما لم تهتز بنادقكم وضمائركم لأوجاع نساء اليمن المغيبات في عتمة السجون، فلا بارك الله في نخوة لا تتحرك إلا إذا أذن لها الترند.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!