مقالات

بين صنعاء وعدن… حين كان الزميل سنداً لا بطاقة دعوة


البعث نيوز ـ بقلم / منصور محمد شايع العامري

عشتُ سنواتٍ في صنعاء ولم تكن مجرد مدينةٍ أقمتُ فيها بل كانت مدرسةً في الزمالة ومحراباً للوفاء بين أهل الحرف.
هناك تعرّفت على كوكبةٍ من الصحفيين الرياضيين الذين كانوا يرون في الزميل أخاً قبل أن يكون اسماً في كشف الدعوات.
كنتُ مختلفاً معهم في التوجه وربما في الرؤية السياسية وكنتُ أُوصَف بأنني انفصالي وحراكي لكنهم لم ينظروا إليّ من نافذة الانتماء بل من باب الزمالة.
كانوا يحترمون القلم ويقدّرون الموقف، ويحتفون بالحضور الإنساني قبل أي شيء آخر.
في كل فعاليةٍ أو مهرجان إن لم يكن اسمك مسجلاً فثمة من يقول: هو معنا.
وإن حدث لك طارئ وجدتَ من يدفع عنك لا يسألك عن توجهك ولا عن رأيك بل يسألك: كيف حالك يا زميل؟
في صنعاء كنا نلتقي صباحاً على الخمير والشاي في مطاعم بسيطة لكنها كانت عامرة بالمحبة.
الطاولة تضم الجميع والحديث للجميع والضحكة للجميع.
اليوم لدينا مؤتمر صحفي؟ يقول لك أحدهم: تعال فترد: ما معي دعوة فيبتسم قائلاً: دعوتك قلمك.
ذلك المشهد لم يكن مثالياً بل كان واقعاً عشته بكل تفاصيله.
عدتُ إلى عدن المدينة التي نعشقها حد الوجع فوجدتُ المشهد مختلفاً.
هنا في بعض الأوساط أصبح الاسم أهم من الزمالة والبطاقة أهم من العلاقة والمصلحة تسبق المبدأ.
لا أعمّم فبيننا رجال أوفياء لكن الصورة لم تعد كما كانت.
تساؤلي ليس للعتاب بل للبحث عن الإجابة:
لماذا تغيّرت الروح بين زملاء الحرف الرياضي؟
لماذا أصبح البعض يختار الصمت حين يُقصى زميل بينما كان غيرنا يقول: إما أن يدخل معنا أو نخرج جميعاً؟
الصحافة الرياضية ليست مجرد أخبار نتائج ومباريات بل هي ميدان أخلاق قبل أن تكون ميدان أقلام.
هي تضامن قبل أن تكون سبقاً صحفياً.
هي موقف قبل أن تكون صورة.
ما عشته في صنعاء لم يكن وهماً بل درساً في أن الزمالة لا تُقاس بالانتماءات بل بالمواقف.
وما أتمناه في عدن أن نستعيد تلك الروح.
أن يكون الزميل سنداً لا متفرجاً.
أن يكون الاختلاف ثراءً لا قطيعة.
فالمدن لا تُقاس بعدد ملاعبها بل بعدد القلوب التي تتسع لبعضها.
والصحافة لا تُقاس بعدد المؤتمرات بل بعدد الأيادي التي تمتد حين يتعثر أحدنا.
بين صنعاء وعدن…
أحنّ إلى زمنٍ كان فيه الزميل يقول لك: نحن معك…
لا يسألك من أنت بل يؤمن بأنك واحدٌ منا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!