البناء المؤسسي… المدخل الحقيقي لتحقيق أولويات الحكومة

البعث نيوز ـ كتب نجيب عبد الرحمن السعدي
في أول مقابلة له عقب توليه رئاسة الحكومة اليمنية مع صحيفة الشرق الأوسط، حدّد دولة رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني ثلاث أولويات لحكومته تتمثل في تحسين الخدمات، وتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي، والبناء المؤسسي.
هذه الأولويات الثلاث تنسجم مع الهدف الاستراتيجي الذي حدده فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي في كلمته لأعضاء الحكومة عقب أدائها اليمين الدستورية، والمتمثل في “استعادة الدولة وهزيمة المشروع الإيراني المتمثل بجماعة الحوثي”.
غير أن القراءة المتأنية لهذه الأولويات تكشف أن البناء المؤسسي ليس مجرد أولوية من بين ثلاث اولويات بل هو المدخل التنفيذي لتحقيق الأولويات الأخرى والأداة العملية لبلوغ الهدف الاستراتيجي العام. فـتحسين الخدمات وإطلاق برنامج تعافٍ اقتصادي، وضبط الوضع الأمني، والإعداد للمعركة العسكرية، جميعها تتطلب إدارة فعّالة للموارد وآليات واضحة لمكافحة الفساد وأنظمة رقابة وتقييم أداء وهياكل تنظيمية محددة الصلاحيات والمسؤوليات.
هذه المتطلبات لا يمكن أن تتحقق في ظل مؤسسات هشة وتقليدية قائمة على الاجتهادات الشخصية. فالدولة لا تُدار بالنوايا الحسنة بل بالقوانين والأنظمة والإجراءات والحوكمة الرشيدة.
وتزداد أهمية البناء المؤسسي بوصفه مدخلًا لتنفيذ أولويات الحكومة وتحقيق الهدف الاستراتيجي العام في ضوء ما أشار إليه رئيس الوزراء بشأن انتقال العلاقة مع السعودية من منطق الدعم والمساندة إلى منطق الشراكة. فهذا التحول يحمل دلالات عميقة، إذ إن الشراكة لا تُبنى على احتياجات آنية بل على تكافؤ مؤسسي وحد أدنى من الجاهزية الإدارية والتنظيمية. وفي ظل ما حققته السعودية من تقدم في الحوكمة وأتمتة الإجراءات ضمن إطار رؤية 2030، فإن أي شراكة حقيقية مع اليمن تقتضي وجود مؤسسات يمنية قادرة على العمل وفق معايير مهنية واضحة وشفافية وانضباط إداري ومالي. وبعبارة أخرى لا يمكن أن تنجح الشراكة دون مؤسسات يمنية حديثة وقادرة على أداء دورها وستكون الحوكمة شرطاُ اساسياُ في أي تعاون استراتيجي قادم.
البناء المؤسسي ممكن، وليس مشروعًا نظريا مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية واضحة لا تتراجع أمام الضغوط ورؤية شاملة لا تقتصر على ترقيعات جزئية وأدوات تنفيذ مهنية ومحايدة. ومن الأخطاء الشائعة التي وقع فيها الكثير في السابق الاعتقاد بأن عملية البناء يمكن أن تتم بالكامل عبر الهياكل القائمة نفسها دون مقاومة. فالتجارب الإدارية في مختلف الدول تثبت أن الإصلاح المؤسسي يواجه عادة مقاومة من داخل المؤسسات القائمة، خاصة من مراكز القوى التي قد تتضرر من إعادة الهيكلة أو إعادة توزيع الصلاحيات. وقد أشار رئيس الوزراء إلى ما واجهه من عراقيل من بعض الجهات الحكومية خلال تنفيذ الإصلاحات داخل وزارة الخارجية وهو أمر طبيعي في أي عملية تغيير جادة.
لذلك فإن البناء المؤسسي لا ينبغي أن يُدار بردود أفعال، بل بخطة مسبقة لإدارة التغيير واحتواء المقاومة. كما أن تنفيذه يتطلب إنشاء جهة متخصصة تُعنى بإدارة هذا الملف، تتسم بالاستقلالية الوظيفية والكفاءة المهنية والحياد المؤسسي ووضوح المهام والصلاحيات على أن تعمل بالشراكة مع المؤسسات القائمة دون أن تخضع لمنطقها أو لمصالحها الذاتية وبما يضمن الخروج بهياكل حديثة قائمة على توصيف دقيق للمهام وتحديد واضح للمسؤوليات والصلاحيات ونظام مساءلة فعّال وترسيخ مبادئ الحوكمة والحكم الرشيد.
الخلاصة أن استعادة الدولة وهزيمة المشروع الحوثي كهدف استراتيجي لن تتحققا بالشعارات بل بأدوات تنفيذية واضحة وفي مقدمتها البناء المؤسسي. وإذا كانت الخدمات والتعافي الاقتصادي أولوية ملحة فإن نجاحهما مرهون بوجود مؤسسات فاعلة لا أفراد أقوياء. فالدولة الحديثة لا تُستعاد بالخٍطاب السياسي وحده بل بإعادة بناء قواعدها المؤسسية على أسس علمية واضحة والبداية الحقيقية لأي مشروع وطني جاد وناجح يجب أن تكون من هنا.



