مقالات

الجرائم الإلكترونية… حين يتحول النشر إلى أداة للاساءة والهدم

البعث نيوز ـ بقلم / نجيب عبد الرحمن السعدي

خلال الخمسة عشر عاماً الماضية ومع تراجع مؤسسات الدولة في بلادنا واتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت ممارسات وسلوكيات دخيلة وخطيرة اتخذت من “النشر” وسيلة للإساءة والتشهير والابتزاز. وفي ظل غياب تشريعات فاعلة تنظم الجرائم الإلكترونية، اتجه بعض الناشطين والكتاب والصحفيين إلى استهداف أشخاص عاديين ومسؤولين على حد سواء، متجاوزين حدود النقد المشروع إلى حملات منظمة للإساءة والتشهير.
ومع الوقت لم تعد هذه الممارسات تصرفات فردية معزولة بل تطورت إلى ان اصبحت نشاط منظم يُستأجر له ناشطون وتنظم الحملات للنشر ضد شخص أو جهة معينة بقصد الإضرار بهم. بل إن الأمر تجاوز ذلك ليصبح لدى البعض وسيلة للكسب غير المشروع، من خلال التهديد بالنشر أو التشهير مقابل تحقيق مصالح شخصية. وهكذا تحولت بعض المنصات إلى سوق مفتوح لتصفية الحسابات واغتيال السمعة.
وكانت المرأة من أكثر الفئات تضرراً من هذا السلوك غير الأخلاقي إذ تُستهدف في كثير من الأحيان بطريقة تمس سمعتها وكرامتها بشكل مباشر.
كما لم يسلم المسؤولون من حملات التشهير حتى أصبح النشر سيفاً مسلطاً على رقابهم مما دفع معظمهم إلى استرضاء الكُتاب والناشطين و توظيف آخرين للدفاع عنهم، في مشهد يعكس اختلالاً خطيراً في بيئة العمل العام.
في هذا السياق برزت الدكتورة ألفت الدبعي كواحدة من القلائل الذين اختاروا المواجهة عبر الطرق القانونية فلجأت إلى القضاء لمقاضاة من أساءوا إليها. وبسبب ذلك تعرضت لانتقادات واسعة من قبل الكثيرين – وكنت أحدهم – بدعوى أن ما يُنشر يندرج ضمن حرية النقد، وأن تجاهله كفيل بإضعاف أثره. غير أن التجربة والواقع أثبتت أن هذا التصور قاصر فاستهداف الأشخاص عبر حملات ممنهجة يخلّف آثاراً مدمرة على الضحية وأسرته، ويتجاوز حدود النقد إلى الإيذاء المعنوي المنظم.
لقد اتضح أن المسألة لم تعد مجرد آراء فردية عابرة بل تحولت إلى عمل منظم ونشاط يهدد السلم الاجتماعي ويقوض الثقة بين الأفراد والمؤسسات. ومن هنا فإن ما قامت وتقوم به الدكتورة ألفت لا يمثل دفاعاً عن حق شخصي فحسب، بل يشكل موقفاً أخلاقياً ووطنياً يهدف إلى حماية الفضاء العام من الانحدار إلى فوضى التشهير والابتزاز.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مسارين متوازيين: أولهما تفعيل المسار القانوني لمحاسبة من يمارسون السب والقذف والتشهير، وثانيهما العمل على بناء وعي مجتمعي يميز بين النقد المسؤول والإساءة المتعمدة. كما أن الحاجة باتت ملحّة لسن تشريعات واضحة تنظم النشر الإلكتروني وتجرّم الجرائم المعلوماتية، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير وصون الكرامة والسمعة.
إن حماية المجتمع تبدأ بحماية أفراده من الاغتيال المعنوي. والتشهير ليس رأياً، والابتزاز ليس مطلب، والنشر بلا ضوابط ليس حرية… بل هو عدوان ينبغي أن يواجه بالقانون والوعي معاً.
انني هنا ادعو الدكتورة الفت الدبعي بصفتها اول من تصدت لأعمال الجرائم الاكترونية ان تقوم بتاسيس رابطة او مؤسسة معنية بالدفاع عن ضحايا هذه الجرائم خصوصا من النساء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!