الحرب على المعلم تهميش جيل وصناعة مستقبل مستعبَد

البعث نيوز ـ أدهم.الغزالي.
في زحمة الفوضى التي تعصف بمجتمعاتنا وفي قلب معركة طويلة الأمد تُدار بمهارة واستراتيجية مدمرة يقف المعلم متشحًا بصموده رمزًا للوعي وعدوًا للجهل والاستبداد لكن هذا الصمود لا يعجب من يسعون إلى تحويل المجتمعات إلى قطيع يُقاد دون وعي أو إرادة، فكيف يُبنى مجتمع مستقل وقوي بينما يُحاصر قلبه النابض؟ وكيف تُصنع أمة حرة بينما يُهمّش صانع الحرية ومربي الأجيال؟
إن استهداف المعلم ليس مجرد تهميش لشريحة وظيفية بل هو أولى خطوات إسقاط أمة بأكملها فالمعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة بل هو الحارس الأمين على العقل الجمعي للأجيال وهو القادر على كسر قيود التبعية وإطلاق العقول نحو فضاء الحرية لكن ما يحدث اليوم هو تجريد المعلم من دوره المحوري وتحويله إلى كيان ضعيف مُرهق لا يقوى على الوقوف في وجه رياح التجهيل التي تجتاح العقول..
حين يُحرم المعلم من حقوقه الأساسية من كرامته وموارده ودعمه فإن هذا ليس مجرد ظلم مهني بل هو خيانة لقيم التعليم ورسالة البناء، كيف لهذا المربي أن يزرع في طلابه معاني الكرامة والاستقلال بينما هو محروم منها؟ وكيف له أن يُنير العقول بينما يُطفأ نوره ببطء في دوامة الإهمال؟
التعليم ساحة معركة خفية
وإن استهداف التعليم ومعلميه ليس أمرًا عابرًا أو عرضيًا بل هو ركيزة أساسية في مخططات السيطرة الشاملة.
التعليم إن أُفسد يفسد المجتمع بأسره والمعلم إن أُذل أُذل الجيل القادم باكمله وهذا ما يراد له ، إنها حرب خفية تُدار عبر أدوات عدة منها تدهور المناهج واستبدال القيم الأصيلة بالأفكار الدخيلة التي ترتكز على تحطيم كرامة المعلمين وتحويل التعليم من رسالة سامية إلى مجرد وسيلة لإنتاج جيل مستهلك ومُطواع.
إن استهداف المعلم ليس إلا وجهًا من أوجه حرب أوسع نطاقًا تستهدف الجيل القادم، الجيل الذي يُراد له أن يُولد بلا هوية بلا جذور بلا أحلام تتجاوز حدود استهلاك ما يُملى عليه، جيل تائه في زحام التكنولوجيا الخالية من القيم فاقد للقدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف مستعبد في دوامة الرغبات الاستهلاكية التي لا تنتهي.
الجيل الذي يُحارب معلمه اليوم هو ذاته الذي سيُحارب لاحقًا بفقدانه أداة الوعي، إنهم يسعون إلى قطع صلة الجيل بماضيه ليربى على ثقافة الحاضر المزيّف ويُقذف به في مستقبل خاضع لهيمنة الآخر.
إن التجهيل الممنهج للأجيال وتحطيم ركائز التعليم لا يهدفان فقط إلى إنتاج شعوب جاهلة بل شعوب مستباحة وحين يُضعف التعليم ويُهمش المعلم تُصبح القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية رهينة بيد قوى خارجية تنهب ثروات البلاد ويُفرض على الشعوب واقع لا تملك القدرة على رفضه أو حتى فهمه.
إن ما يحدث ليس مجرد استهداف للتعليم بل هو محاولة لسلب الأمة سيادتها واستقلالها وجعلها خاضعة ومستهلكة إلى الأبد.
ورغم هذا الحصار الممنهج يبقى المعلم رمزًا للمقاومة هو الجندي المجهول في معركة الوعي والمشعل الذي لا ينطفئ مهما حاولت قوى الظلام أن تخمده.
إن المعلم الذي يُحارب الآن على كل الأصعدة هو ذات المعلم الذي سيُعيد بناء الأمة إذا ما أُعيد إليه حقه ومكانته وعلينا جميعًا أن ندرك أن حماية المعلم ودعمه ليست مجرد واجب أخلاقي بل هي ضرورة وجودية فالمعلم هو الأمل الأخير وسقوطه يعني سقوط أمة بأسرها فلننهض جميعًا لحمايته ولنبنِ به مستقبلًا يليق بأحلام أجيالنا وكرامة أوطاننا.
والله المستعان



