
البعث نيوز ـ بقلم / م ـ أمين الحاج
إن محطات الكهرباء الحكومية في تعز تُعاني مصيراً لم تعرفه أي محطة حكومية في اليمن قاطبة.
فمنذ أكثر من عقد وهي تقبع أسيرة بين فكي كمّاشة حزبية ثنائية: “مؤتمر وإصلاح”، لا ثالث لهما.
تحالف قذر على الظلام احترف والمتاجرة بدموع الثكالى وعرق الكادحين.
في العلن يتصارعان على الكراسي ويتبادلان اتهامات التقصير، وفي الخفاء يتقاسمان ريع مؤسسات الدولة وغنائم معاناة المواطن.
لقد حوّلوا الكهرباء والماء والنفط من حقوق دستورية مقدسة إلى بضائع استثمارية تدر عليهم ذهباً، بينما يُدفن الإنسان التعزي حياً في زنزانة مظلمة اسمها “المدينة المحاصرة”.
ولتعلم حجم الجريمة: لو حسبنا خسائر توقف محطتي المخا البخارية 160 ميجاوات وعصيفرة 13 ميجاوات، بإجمالي 173 ميجاوات، وبسعر رمزي 50 ريال قعيطي للكيلووات، فإن الخسارة اليومية للخزينة العامة تتجاوز207 مليون ريال يوميا .
أي ما يقارب6 مليار ريال شهرياً تتبخر من حق الشعب، وتتحول إلى ثروات في جيوب هوامير الظلام.
هذه ليست أزمة موارد، بل عملية سطو مسلح على مقدرات أمة.
الحرب على الخدمة: إعدام ممنهج لمؤسسة الشعب
في كل حروب الأرض تُصاب شبكات الكهرباء وتُرمّم خلال أشهر.
أما في تعز فقد تم إعدام المؤسسة الخدمية التي كانت تبيع الكيلووات بسعر موحد ورمزي لكل اليمنيين. تبخّرت لأن قرار اغتيالها اتُخذ سلفاً في غرف مظلمة. المطلوب كان واضحاً: تحويل المواطن من صاحب حق إلى زبون ذليل يدفع الجزية لتجار المولدات.
بالأرقام والبراهين: تعز التي أضاءت اليمن تُقتل عمداً
إن كهرباء تعز ليست أزمة فنية ولا نقصاً في العقول الهندسية، بل خيانة وطنية مكتملة الأركان.
محطة المخا البخارية تعمل بالمازوت، أرخص أنواع الوقود، بقدرة 160 ميجاوات. ومحطة عصيفرة تعمل بالديزل بقدرة 13 ميجاوات.
قبل الحرب، لم تتجاوز حصة تعز من التحكم المركزي بصنعاء 55 ميجاوات كحد أقصى، بينما احتياجها الفعلي لم يتعد 75 ميجاوات.
وكانت كهرباء تعز الأولى جمهورياً في توريد الإيرادات إلى خزينة الدولة.
أما الفائض البالغ 118 ميجاوات، فكان يضيء صنعاء وعدن وبقية المحافظات عبر المنظومة الوطنية التي تُدار بكبسة زر واحدة.
سردية الاغتيال: من صواريخ التحالف إلى سكاكين الداخل
مع أولى طلقات الحرب، قصفت طائرات التحالف المدينة السكنية لمهندسي وفنيي محطة المخا البخارية.
استشهد وجُرح العشرات، وتشرد أكثر من ألف موظف مع أسرهم، ولا يزالون لاجئين قسراً حتى اليوم.
وهكذا قُطع شريان الحياة عن تعز.
في 2017 قدمت دولة الإمارات الشقيقة دعماً سخياً لإعادة تأهيل المحطة.
عاد المهندسون، واشتغل توربين واحد أضاء مدينة المخا لفترة وجيزة.
ثم جاءت الضربة القاضية عام 2019 بـ”احتراق” محول قدرته 10 ميجاوات.
ومنذ ذلك اليوم، لا تحقيق فُتح، ولا مسؤول حُوسب، رغم توفر محول بديل جاهز بقدرة 20 ميجاوات لم يُركّب حتى اللحظة.
وبالتزامن توقف دعم المشتقات النفطية من البرنامج السعودي.
أسئلة في رقبة كل مسؤول:
من أحرق المحول عمداً؟ لماذا يُمنع تركيب البديل؟ أين تذهب حصة المحطة من الوقود؟ من أجّر خزاناتها العملاقة لشركة القلزم لتعبث بالسوق السوداء؟ من شرّعن تأجير الشبكة الحكومية في تعز دون غيرها من المحافظات؟ وإلى متى سيظل أكثر من ألفي موظف وأسرهم مشردين قسراً؟
مشهد الخراب الممنهج: أركان المؤامرة الخمسة
1- تغييب الدولة: شركة النفط والمؤسسة العامة للكهرباء مُغيّبتان قسراً.
مقر شركة النفط في تعز تحوّل إلى ثكنة للسلطة المحلية بدل أن يكون مرفقاً خدمياً.
2- تعطيل متعمد: محطة عصيفرة مُعطّلة عمداً، بينما يتاجر هوامير الفساد بمولدات مسروقة من المال العام والخاص.
3- نهب منظم: محطة المخا البخارية موقوفة بقرار سياسي، وخزاناتها تُستأجر لتخزين وقود السوق السوداء.
4- المتاجرة بالمنح: محطات الطاقة الشمسية التي قدمتها الإمارات هبة للشعب، تحوّلت بين عشية وضحاها إلى مشاريع استثمارية خاصة تُدار بمعزل عن المؤسسة العامة للكهرباء.
5- حرب التهجير الاقتصادي: الأخطر من الظلام هو تهجير رؤوس الأموال والعقول.
المصانع أُغلقت، والتجار نزحوا، والمستثمرون هربوا بسبب كلفة الكيلووات الباهظة 350 ريال في المخا و1400 ريال في تعز، بينما هو 50 ريال في عدن ومأرب.
عن أي تنمية تتحدثون في المخا والكيلووات فيها أغلى من الذهب؟
عبث النخبة وتمييز الفساد
والغريب أن عضو مجلس نواب عن الإصلاح “يستغرب” انقطاع الكهرباء عن تعز لأكثر من عقد، كأنه لا يعلم.
والأغرب وعد رئيس مجلس النواب قبل عام بتوفير 70 ميجاوات من المخا لتعز، ولا نعلم متى سيفي بوعده.
ومحافظ تعز الذي أعلن أن محطة عصيفرة “عفا عليها الزمن” وعد بالنور من المخا أثناء افتتاح محطة شمسية بقدرة 20 ميجاوات، ثم سلّمها لمستثمر بدلاً من تسليمها للمؤسسة العامة للكهرباء بالمخا، على عكس نظيرتها في عدن التي سُلّمت لجهة الاختصاص.
الخلاصة المُرّة: لقد أدركوا مبكراً أن تشغيل محطة المخا البخارية يعني إفلاس إمبراطورياتهم المالية.
فقصّفوا المدينة السكنية، ودمّروا البنية التحتية، وسرقوا أبراج النقل من المخا إلى مفرق المخا على مرأى ومسمع الجميع.
نجحوا في سلب الحقوق الدستورية تحت شعار “تحرير العاصمة”، بينما يمارسون في تعز كهنوتاً أبشع.
هامور من الهضبة يتاجر بمحطة 20 ميجاوات، وهامور من تعز يتاجر بمولد مسروق بقدرة 1 ميجاوات. لقد حوّلوا تعز ومدنها إلى قرى نائية تفتقر لأبسط مقومات الحياة. ولا عزاء إلا لملايين الصامتين.
خاتما
إن ما يجري في تعز اليوم ليس فشلاً إدارياً عابراً، بل هو مشروع إبادة ممنهج للمدينة ودورها التاريخي.
إنها مؤامرة ثلاثية الأبعاد تُنفّذ بدم بارد: أولاً، تقسيم المدينة إلى كانتونات مليشاوية تتصارع على الأرض والإنسان.
ثانياً، تجفيف كل مصادر الحياة الكريمة وتحويل الحقوق الأساسية إلى سلع للابتزاز.
ثالثاً، اغتيال الأمل في نفوس الناس حتى يرضخوا لسلطة الأمر الواقع ويُسلّموا بأن الظلام قدرهم المحتوم. لكن تعز التي أنجبت الثوار والمفكرين والأحرار لن تركع.
إن صبرها ليس استسلاماً، وصمتها ليس رضىً.
إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
والتاريخ علّمنا أن الشعوب حين تجوع للخبز تصبر، لكنها حين تُذل بالظلام، تثور.
والنور قادم لا محالة، وسيُحاسب كل من تاجر بمعاناة هذه المدينة العظيمة، وسيُكتب في صفحات العار أسماء من أطفأوا قناديلها.
تعز لن تموت في الظلام، بل ستبعث منه أكثر توهجاً ✋🏻
رئيس لجنة الدفاع عن ممتلكات كهرباء





