مقالات

الإمامة وخطرها على وحدة اليمن

البعث/صلاح الواسعي

عنوان هذة المقالة هو عنوان كتاب لمحمد محمود الزبيري “الإمامة وخطرها على وحدة اليمن”، أصدره الاتحاد اليمني في عدن، قبل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، في أحلك الظروف وأشدها قسوة على اليمن.
قسم الزبيري العبودية التي يتجرعها الإنسان اليمني إلى ثلاثة أصناف: العبودية الحقيقية المتمثلة بالاستعمار البريطاني، والعبودية الروحية المتمثلة بالأوهام الإمامية، والعبودية الاجتماعية المتمثلة بالتقاليد الرجعية والفوارق الاجتماعية، وقال الزبيري إن اليمني في صراع مستمر من أجل هدف واحد هو التخلص من العبوديات الثلاث لغاية تحقيق السيادة الشعبية والمساواة.
إن كان الإستبداد البريطاني فرّق أبناء القسم الجنوبي من خلال سياسة “فرق تسد” فإن الاستبداد الإمامي عمل على تقسيم أبناء المناطق الشمالية من خلال الفوارق الإجتماعية التي أذكت روح الاستياء الشعبي بين الناس.
فالهادوية بذاتها فكرة مذهبية طائفية يؤمن بها أبناء القسم الشمالي من اليمن ولا يؤمن بها أبناء وسط وجنوب وغرب اليمن. وإذا كان أبناء اليمن الشمالي طبقة حاكمة تعاملت مع أبناء اليمن الأسفل كمجال حيوي لها غير أن التعميم هنا لا يصلح؛ لأنه ليس كل أبناء الشمال كانوا هادويين، فكثير من العقلاء منهم عاشوا الأنين وهم يتجرعون سمومًا روحية تنفثها الهادوية.
جاهدت الإمامة نفسها على طمس الشخصية اليمنية وقهرها، بحيث لا يكاد أحد من اليمنيين يطل بشخصيته المستقلة كعالم أو مفكر أو صاحب رأي حر، “حتى تقوده إلى المقبرة مشيعًا باللعنات ولا تذكره في التاريخ إلا كدجال كافر فاسق”.
ولم تكتفِ بذلك، بل تمادت لمحاربة فنون العمارة اليمنية المستقلة، فمنعت اليمنيين من تشيد قصورهم ما عدا القصور الإمامية، واشتهرت المساجد وقبور الأضرحة، وحاربت السدود المائية، حتى أنها كما يقول الزبيري، لم تبقِ سدًا واحدًا في اليمن فترة حكمها. وهو ما لم يفعله الأحباش الغزاة في اليمن، حيث شهدت فترة تواجدهم إعادة بناء السدود، مثل إعادة بناء سد مأرب.
ويذكر الزبيري قصة غريبة ففي فترة حكم الإمام يحيى، حدثت إحدى المجاعات الرهيبة في اليمن، مات على إثرها الكثير من الأهالي، بعد أن أكلوا الكلاب والقطط، فذهب الناس إلى الإمام يحيى، حيث كانت خزائن الحكومة مليئة بالحبوب، لكن الإمام امتنع عن إعطائهم الحبوب من خزائن الحكومة، وقال كلمته المشهورة “من مات فهو شهيد، ومن عاش فهو عتيق”.
جاء العلويون بفكرة الهادوية عن طريق تحطيم الإطار التقليدي الذي يحيط بالفقه الإسلامي بالعالم العربي كله؛ كانت المذاهب الإسلامية أربعة ويستحيل خلق مذهب خامس إلا بمجازفة ثورية تستطيع تحطيم الإطار التقليدي الذي يحيط بالمذاهب الإسلامية الأربعة التي كانت قد قُررت في عهد الدولة الأموية والدولة العباسية، فعمل العلويون على كسر كل القواعد من أجل إضافة مذهبهم.
جهز العلويون كل أدواتهم لتلك المغامرة التاريخية: أولاً فتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه، وثانيًا بإتيان نظرية سياسية دينية خطرة تجيز الخروج عن المسلمين بداعي الخروج عن الظلمة والثورة عليهم. لكنهم بعد أن وصلوا إلى حديقة المذاهب الإسلامية، أغلقوا البوابة خلفهم، من خلال قولهم بأن الإمامة لا تجوز إلا لأولاد علي من فاطمة، وثانيًا من خلال اتهام أصحاب النحل الإسلامية، حيث اتهموا الأشاعرة أنهم كفار تأويل ليس لشيء إلا لاستغلال النظرية في مآرب سياسية واقتصادية. لم يكن هناك حرية اجتهاد إلا في نطاق ضيق يخصهم، لقد كانوا يطاردون كل من يقرأ كتب السنة في صنعاء. ومثالاً على ذلك: محنة العلامة ابن الأمير الصنعاني، الذي رغم نسبه الهاشمي حاول إسقاط ذكر آل البيت من خطبة الجمعة فتآمروا على قتله.
لا يضع محمد محمود الزبيري الأسر الهاشمية في سلة واحدة، فكثير من الأسر الهاشمية تعاني النكبة والبؤس والحرمان، وذلك من ناحيتين: الأولى لأن أسرة واحدة من الهاشميين هي التي تحكم وتملك كل شيء، بل لقد شكلت الإمامة خطرًا حقيقيًا على الأسر الهاشمية؛ لأن الهواجس لا تفتأ تراودها من الأسر الأخرى الطامحة بالحكم.
الناحية الثانية تأتي من شعور الشعب اليمني بأن الأسر الهاشمية طبقة متعالية على الشعب ومنفصلة عنه، وهو ما يعني أنه في المستقبل ستحدث نقمة شعبية تجاه الأسر الهاشمية، وهو ما سيؤدي إلى انعزالها وستصبح أقلية لن تقوم لها قائمة. ودعا الأسر الهاشمية إلى التحلي بالحكمة والتفطن لهذا الأمر وكسر روح التعالي على اليمنيين.
ويذكر الزبيري أن هناك أسرًا هاشمية كثيرة في العالم العربي كله، لكنها لا تدعي تفوقها العرقي وتعيش مع الشعب دون أي امتيازات، وهناك كثير من أبناء هذه الأسر تفوقوا وارتقوا سلم السياسة، ولكن بكفاءتهم وحدها، ولو أنهم ادعوا امتيازات لكان التفوق عسيرًا عليهم.
وحول هذه النقطة، يضيف الزبيري في الكتاب “إن هناك سلالات حبشية وفارسية قديمة كانت تعيش في اليمن وتدعي بنسبها وتفوقها، لكنها شعرت بالخناق الشعبي وانفرادها وانعزالها، ولجأت في النهاية إلى ترك ذلك الإدعاء وذابت بين اليمنيين”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!