حين يُصبح الذلُّ سُلّم الرزق.. تموت الأوطان🇾🇪

البعث نيوز ـ بقلم / امين احمد الحاج
إن أخطر ما يفعله الطغيان ليس أنه يسجن الجسد أو ينهب المال.. بل أنه يزوّر ميزان القيم نفسه. وحين ينجح الاستبداد في ربط لقمة العيش بحبل المذلة.. فإنه لا يخلق فقراً فقط.. بل يخلق جيلاً من العبيد يظن أن العبودية ذكاء. في تلك اللحظة يسقط الشريف لأنه أبى أن ينحني.. ويرتفع الساقط لأنه أتقن الانحناء. وتلك هي اللحظة التي تموت فيها الأوطان من الداخل قبل أن يحتلها عدو من الخارج.
أولاً: ما هي آلية الاستبداد؟
الاستبداد الذكي لا يقول لك “كن ذليلاً”.. بل يقول لك “كن ذكياً”. يجعل الوظيفة والمناقصة والترقية والمنحة.. كلها مرهونة بتوقيع واحد: أن تبيع ضميرك. فيتحول الرزق من حق إلهي مكفول بالعمل.. إلى مكافأة سلطانية مشروطة بالولاء. هنا يبدأ الانقلاب الأخلاقي الكبير: يُكرم الجاهل لأنه يطيع بلا سؤال.. ويُهان العاقل لأنه يسأل بلا خوف. وتُرفع الببغاوات التي تردد.. وتُذبح العقول التي تفكر.
ثانياً: النتائج الكارثية
1 – سياسياً: تنشأ دولة العصابات.. طبقة طفيلية ثرية تدافع عن الطاغية لأن بقاءه هو بقاء ثروتها الحرام.
2 – اقتصادياً: يتحول الشعب من منتجين إلى متسولين على أبواب المسؤول.. فيموت الإبداع وتموت الكفاءة.
3 – اجتماعياً: يهاجر الشرفاء.. إما هجرة جغرافية إلى الخارج.. أو هجرة داخلية بالصمت والاعتزال. ويبقى الساحة للمنافقين.
4 – تاريخياً: هذا بالضبط ما فعله فرعون “فاستخف قومه فأطاعوه”.. وما فعلته الإمامة في اليمن ألف عام حين جعلت الرزق والخمس والوظيفة حكراً على سلالة.
ثالثاً: البعد العقائدي والوطني
الله تعالى قال: “وفي السماء رزقكم وما توعدون”.. فمن جعل رزقك بيد بشر مثلك.. فقد أشرك في رزقك وعبّدك لغير الله. والوطن الذي يُبنى على الذل لا يُسمى وطناً.. بل سجن كبير. والمواطن الذي يأكل بذله.. سيبيع وطنه غداً بثمن أكبر.. لأن من باع نفسه مرة.. يسهل عليه بيع كل شيء.
إن معركتنا اليوم ليست معركة خبز فقط.. بل معركة كرامة قبل الخبز. ولن ننتصر إلا إذا كسرنا هذه المعادلة الشيطانية بثلاثة مفاتيح: اقتصاد حر يكفل الرزق بالعمل لا بالولاء.. ودولة مؤسسات تكافئ الكفاءة لا الانبطاح.. ووعي يصنع أحراراً لا عبيداً. فالأوطان لا تُبنى بأيدٍ مرتعشة تخاف أن ينقطع راتبها.. ولا تُحرر بضمائر مباعة تقبض ثمن سكوتها. ومن رضي أن يأكل خبزه بالذل اليوم.. فسيبيع تراب وطنه غداً بلا ثمن.. والتاريخ لا يرحم.
الكرامة رزق.. والذل فقر.. ومن ملك قوته.. ملك قراره.



