سُقوط الساحل الغربي . . الحكاية التي بدأت باغتيـ ـال يحي الوحش!

▪️عبدالرحمن رامي

من عملية اغتيـ ـال العميد «يحيى وحيش» في «الخوخة» في 6 يونيو 2026، إلى دخول الطائرة الإيرانية «ماهان إير» 13 يوليو إلى مطار الحديدة، ثم إلى اجتياح الساحل الغربي ليلة 9 سبتمبر، تبدو الأحداث، كأنها حلقات مُتصلة في مشهد واحد بدأ قبل «سقوط حيس» بوقت طويل!
ففي #الخوخة تمت تصفيـ ـة الرجل الأكثر حنكة وخبرة في الحرب ضد الحوثييـ ـن، الرجل الذي حاربهم مُنذ الحروب الـ 6 في #صعدة، ثم واصل قتـ ـالهم بعد 2014، عندما وقف ضد سيطرتهم على الشريط الساحلي المُمتد من «الخوخة» إلى #المخا، وخاض، إلى جانب ألوية «العمالقة الجنوبية»، حرباً شرسة لم تجعلهم يتقهقرون حتى البوابة الجنوبية للحديدة، فحسب، بل جعل كل القيادات تنام في صنعاء مُخلفة ورائها من المئات من القتـ ـلى والجرحى والأسرى، غالبيتهم من المُشردين والأطفال!
وفي 2018، عندما توقفت المعركة عند مشارف «الحديدة» بفعل اتفاق #استوكهولم، وانسحبت القوات إلى حدود «حيس»، بقي و«حيش»، طوال السنوات التالية، واحداً من الحُصون المنيعة في الساحل وحارساً على ما تبقى منه، فيما ذهبت ألوية العمالقة جنوباً إلى #عدن.
وخلال السنوات التي أعقبت انسحاب القوات من الحديدة، أُعيدت هيكلة قوات الألوية التهامية ضمن كيان عسكري حمل اسم #المقاومة_الوطنية، وتماهت معظم القيادات العسكرية مع المشروع الجديد، سياسياً وعسكرياً، بينما بقي و«حيش» صاحب شخصية مُختلفة، يجمع بين العقيدة القتـ ـالية والخبرة والسياسة والحنكة، علاوة على كونه إبن الأرض، وليس القادم إليها من خارجها.
ولم تكن قوته في السـ ـلاح وحده، فقد كان الرجل يتمتع بتأييد واسع في مُحيطه، وبصمات إجتماعية وخيرية، وشعبية بين المُقاوميـ ـن والجنود والمدنيين، جعلته رقماً صعباً في كل المُعادلات، ولوحة تحذير أمام أي تحركات يُمكن أن تأتي من الشمال!
لهذا أقول إن «الساحل الغربي»، سقط مُنذ اللحظة التي وُضع فيها و «وحيش» تحت التراب، ولم يسقط في 9 سبتمبر وحده.
فالرجل الذي يصعب أن يترك موقعه لأي سبب، والذي يستطيع أن يُغلق الهاتف وجهاز العمليات، ويُثبت الجنود بالمعنويات، الرجل الذي تُحركه كتب العقيدة أكثر مما تُحركه الشيكات، كان رقماً لا يُمكن إسقاطه بالتدرج؛ وكان لابد، في الحسابات الحوثيـ ـة، من إسقاطه دفعة واحدة من المُعادلة كلها!
فجاؤوا إليه من حيث لم يتوقع، من الخاصرة، من الداخل، ومن جهات قريبة، قبل أن تُغلق #الخوخة أبوابها على رجل كان، طوال سنوات، أحد مفاتيح التوازن العسكري والاجتماعي في المنطقة.
لم أقابل و «حيش» يوماً، إنما حاولت ذلك ولم ألتقِ به، لكنني أقرأ الأخبار وأجمع المعلومات عن تلك الشّخصيات التي تُشكل الفارق في اللحظات الحساسة والصّعبة!
كان رقماً في العمالقة، ورقماً في #المقاومةالتهامية، ورقماً آخر في #المقاومةالوطنية، وقبل ذلك بسنوات طويلة رقماً في #صعدة، شمال اليمن!
خاض 6 حروب ضد الحوثييـ ـن في جبال #مران تحت لواء الدولة، ثُم انتقلت المعركة معه إلى الساحل، حين جاءت بهم الدولة نفسها، فخاض ضدهم حُروباً أخرى من #زُقر في البحر إلى #ذوباس في الجبل، ومن #المخا جنوباً إلى #المنظر، بوابة الحديدة الأصعب، التي ظلت تزفر النار طوال سنوات الحرب بين 2016 و 2018، قبل أن تستيقظ #الأمم_المتحدة على الشعارات الإنسانية، وتأتي هشاشة السياسة في التحالف والشرعية، لتُوقف المعركة عند أبواب المدينة، وكأن أحداً قال للحوثييـ ـن:
«حرام عليكم المكان، بنص شرعي صادر من كتب فقه السنة!».
ثُم جاءت السنوات التالية، وبقي الرجل في مكانه، بينما تغيرت الخرائط والأسماء والهياكل، حتى جاء يوم اغتيـ ـاله.
ومن هنا تبدأ الحلقة الأخرى من القصة؛ فبعد نحو شهر من مقتلـ ـه، دخلت الطائرة الإيرانية «ماهان إير» إلى مطار الحديدة، في مشهد بدا، بالنسبة لي، كأنه انتقال من رجل الحرب المحلي الذي ظل يحرس الساحل إلى حضور إيـ ـراني مُباشر في واحدة من أكثر مناطق اليمن حساسية.
وبعدها بأسابيع، كانت الجبهة تتحرك نحو المشهد الذي عايشته بنفسي في «حيس»، وصُولاً إلى ليلة 9 سبتمبر، حين بدأت المدينة تفقد توازنها العسكري بسُرعة لم تكن تُشبه ما سبقها من سنوات.
وفي صباح 10 سبتمبر، بعد #سقوط_حيس، بدأت الأسئلة تتجه نحو #الخوخة، مسقط رأس و «حيش»، ولم يكن المشهد، في تلك اللحظة، مُجرد تقدم عسكري على مدينة أخرى؛ فقد كان الحوثيــون يدخلون إلى المكان الذي خرج منه الرجل الذي حاربهم في #صعدة، ثُم في الساحل، والذي ظل اسمه مُرتبطاً بواحدة من أكثر مراحل الحرب شراسة على الشريط الغربي.
وعندما وصلوا إلى #الخوخة، لم يكن أول ما ارتبط بالمشهد، بحسب ما علمت، البحث عن المال أو الغنائم، فتلك غرزيتهم الفطرية، بل السؤال عن قبر وحيش:
«أين يقع قبر الوحش؟».
ليس «الوحش» في غابات أو جبال، إنه «الوحش» الذي رقد هنا قبل أكثر من 3 أشهر؛ إبن البحر والسهل والجبل، والصياد والعامل والمُقاتـ ـل ورجل الدين ورجل الحرب ورجل الدولة.
«الوحش» الذي زأر في #مران، وقاتـ ـل في #المخا، وهشّم أرتالاً ومليشيـ ـات، ودفعها إلى مشارف الحديدة، حتى وصلت القوات إلى #المنظر وكيلو 16، وبدت الحديدة يومها أقرب إلى الاستعادة من أي وقت مضى، قبل أن تتوثب «الأمم المتحدة» بوثبتها الثقيلة بالشعارات والإنسانية، وتُسلمه تذكرة عودة إلى «الخوخة» اسمها «استوكهولم».
«ثُم جاء المشهد الأكثر قسوة، نبشوا قبر الوحش!»
نبش حقد غريزي دفين، وأطلقوا عليه الرصـ ـاص، كأنهم يُحاكمونه الآن، بعد موته!
وكأنهم أرادوا أن يستعيدوا، في قبره، مشهداً من حكايات التاريخ؛ كأنهم ينبشون قبر صلاح الدين ليحاكموه ميتاً، لأنهم لم يستطيعوا أن يهزموه حياً!
مشهد عظيم لرجل عظيم؛ رجل لم ألتقِ به، لكنني كلما قرأت عن مسيرته، وجمعت المعلومات عنه، بدا لي أن موته لم يكن نهاية قصته، بل بداية لقراءة أخرى للساحل الغربي الذي عرفه مُقاتـ ـلاً وقائداً وإبناً للأرض!
ربما لم تعرف «الخوخة» و «تهامة» قيمة «وحيش» كاملة إلا بعد أن غاب، حين بات، في 6 يونيو 2026، مُمزقاً بمُفـ ـخّخة، في عملية اغتيـ ـال هزت المنطقة، واتجهت أصابع الاتهام فيها إلى الحوثييـ ـن وفق البيانات الأمنية التي صدرت بعد العملية بساعات، صناعتها ايرانية وحاملها حوثـ ـي ومُشغلها أياد محلية!
كان القاتـ ـل، أياً كانت تفاصيل الخلية التي نفذت العملية، قريباً منه بما يكفي ليصنع الضّربة من المسافة صفر؛ من داخل المشهد نفسه، ومن دائرة كان يُفترض أن تكون أكثر دوائره أمناً.
ومن هُنا، عندما أنظر اليوم إلى ليلة 9 سبتمبر، إلى «سقوط حيس»، ثُم إلى الخوخة والساحل كله، لا أراها لحظة مُنفصلة بدأت وانتهت في أيام قليلة.
بل أراها نهاية مشهد بدأ يوم سقط و «حيش»، وتراكم بعده الصّمت، وإعادة ترتيب القوات، وتبدل المواقع، وانسحاب العمالقة، وتغير خطوط النار، حتى جاءت اللحظة التي تحرك فيها الحوثيـ ـون نحو الساحل دفعة واحدة.
ولهذا أقول: «لم يسقط الساحل الغربي في 9 سبتمبر»، كان قد بدأ بالسقوط قبل ذلك بكثير!
دعوني أتنفس قليلاً . .
سأروي من هذا «الساحل الغربي» قصصاً عديدة، ربما الحبر قليل، لكن في رأسي كتب ومجلات وصور وأرقام ومشاهد ومآسٍ كثيرة!


