مقالات

من الدفاع عن الجنوب إلى شرعنة الفوضى

البعث نيوز ـ نجيب عبد الرحمن السعدي

كتب السياسي الجنوبي أحمد الصالح مقالا اتهم فيه أحزابا سياسية وصفها بـ«التقليدية والمأزومة» بأنها تقود حملة تنمّر وكراهية ضد شعب الجنوب، مستخدما عبارات قطعية من قبيل «أصبح من الواضح» و«بلا أي لبس»، ومُطلقا أحكاما عامة تتهم هذه القوى بالعداء لشعب الجنوب وقضيته.

غير أن خطورة هذه الاتهامات تفرض، من باب المسؤولية والإنصاف، سؤالًا جوهريًا لا يمكن القفز عليه: من هي هذه الأحزاب تحديدًا؟ وما هي السياسات أو الممارسات التي قامت بها واستهدفت من خلالها شعب الجنوب ككل؟ فالاتهام غير المحدد، مهما بلغت حدّته، لا يعزز مصداقية الخطاب، بل يضعه في خانة التعبئة السياسية لا التحليل الرصين.
وعند قراءة المقال في مجمله يتضح أنه أقرب إلى خطاب تعبوي تصعيدي منه إلى طرح سياسي واقعي. فقد بُني على ثنائية «نحن وهم»، وعلى التعميم ونزع الشرعية السياسية عن الخصوم ووصمهم بأنهم بلا أرض ولا حاضنة ولا تمثيل.

هذا النوع من الخطاب لا يدير الخلاف السياسي بل يحوّله إلى صراع وجودي وهو أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات المنقسمة لأنه يغلق أبواب السياسة ويفتح أبواب الصدام.
ان المقال يتجاوز حدود التعبئة اللفظية ليطرح أفكارا شديدة الخطورة أبرزها القول إن «المناصفة ليست عادلة بين من يملك الأرض ومن لا يملكها».

إن ربط الشرعية السياسية بامتلاك الأرض لا يعني فقط تجاوز الدستور والمؤسسات بل يعني نسف فكرة الدولة من أساسها وشرعنة منطق الغلبة والقوة.

ووفق هذا المنطق، يصبح من يسيطر بالقوة هو الأحق بالحكم، وهو منطق إذا ما أُخذ إلى نهاياته، فإنه يبرر كل أشكال الانقلاب والفوضى، ويفتح الباب لاستنتاجات كارثية لا تخدم الجنوب ولا اليمن عمومًا.

وبهذا المنطق، يصبح الحوثي – من حيث المبدأ – أحق بالشمال، وهو استنتاج يوضح إلى أي مدى كارثية هذا الطرح وكيف انه دعوة إلى الفوضى لا إلى العدالة.

كما أن هذا الخطاب يشكّل إلغاءً عمليا لفكرة الجمهورية اليمنية، وتسليما ضمنيا، ولو غير معلن بمنطق كيان سياسي جنوبي مستقل بحكم الأمر الواقع.
وفي السياق ذاته يحاول الكاتب وضع محددات فضفاضة لتشكيل الحكومة القادمة مثل استبعاد من يصفهم بـ«الفاشلين» أو «المعادين للقضية الجنوبية».

هذا الطرح إلى جانب كونه إقصائيًا يأتي في توقيت بالغ الحساسية ويتجاوز النقاش حول تشكيل الحكومة ليصبح خطابا استباقيا للحوار الجنوبي–الجنوبي المزمع عقده في الرياض، والذي يهدف أساسا إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة حول مفهوم القضية الجنوبية وحلولها.
كما ان هذا الخطاب يفرض رؤية واحدة – هي رؤية المجلس الانتقالي المنحل – ويصارد حق النقاش حولها ويقصي المكونات الجنوبية الاخرى ويحول الخلاف إلى أداة إقصاء داخلي يؤسس لانقسام جنوبي–جنوبي جديد، بدل إنهائه.
ولا يمكن تجاهل ما يحمله المقال من تحريض ضمني للشارع، يعيد إنتاج مناخ التوتر وعدم الاستقرار الذي عانت منه الحكومات السابقة حين تحولت السلطة التنفيذية إلى ساحة صراع دائم عاجزة عن القيام بمهامها الأساسية.
وهذا المسار لا يقود إلا إلى تعطيل العمل الحكومي، وإرباك المشهد السياسي،
بل ينسف عمليا الجهود السياسية والعسكرية التي تبذلها المملكة العربية السعودية لتطبيع الأوضاع في المناطق المحررة، ومعالجة آثار الأحداث الأخيرة، وتهيئة المناخ لحوار جنوبي جامع ومسؤول يفضي إلى رؤية مشتركة لا إلى انقسامات أعمق.
إن الاعتراض والنقد لهذا الخطاب لا يعني العداء للقضية الجنوبية وعدم الاعتراف بعدالتها او انه رفض أن يكون للجنوبيين حضور وازن في الحكومة، أو أن تتشكل الحكومة من كفاءات جنوبية بل على العكس لا يوجد ما يمنع ذلك إذا كان المعيار هو النزاهة والكفاءة والقدرة على الإدارة والولاء لمؤسسات الدولة.

غير أن تحويل هذا الاستحقاق إلى شرط قائم على السيطرة على الأرض أو الالتزام برؤية سياسية بعينها لا يُعد ضغطًا سياسيا غير م مشروع، بل استكمالًا لمسار سابق انتهى بالفشل، غير أن أدواته اليوم ليست عسكرية بل سياسية وإعلامية تقوم على تهييج الشارع بدل إدارة الخلاف.
في المحصلة، فإن ما كتبه أحمد الصالح لا يمكن اعتباره طرحا متزنا يخدم القضية الجنوبية بقدر ما يؤسس لمسار تصادمي جديد يعيد إنتاج الانقسام ويضع الجنوب أمام صراعات داخلية وخارجية هو في غنى عنها. فالقضايا العادلة لا تُحمى بخطاب الإقصاء ورفع سقوف التحدي بل بتحويلها إلى مشروع سياسي عقلاني قادر على كسب التوافق والدعم، وتحقيق مكاسب حقيقية ومستدامة دون أن يفتح أبواب الفوضى من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!