مقالات

عدن لم تفشل… بل أُبعدت عن حقها


البعث نيوز ـ بقلم / صفوان سلطان

لم تكن عدن في يومٍ من الأيام مدينةً عادية، لا في الذاكرة ولا في الجغرافيا.
وُلدت وهي تحمل مهمة عالمية، لا مجرد اسم، وتشكلت كمدينة تجارية قبل أن تكون مدينة خدمات، وكعاصمة فعل قبل أن تتحول مع الوقت إلى عاصمة مُنهكة بصراعات محيطها المسلح لتبحث عن أبسط حقوقها.

إن ما تعيشه عدن اليوم لا يمكن اختزاله في أزمة كهرباء أو مياه أو إدارة محلية عاجزة. ما تعانيه هذه المدينة أعمق من ذلك بكثير. إنها قصة مدينة جرى نزع دورها منها خطوةً خطوة، حتى وجدت نفسها تدفع ثمن غياب القرار لصالح المنتصر في الصراعات المتعاقبة، لا ثمن نقص الإمكانات.

مظلومية عدن لم تبدأ حين انطفأت الأنوار، بل حين انطفأ حضورها في صناعة القرار. حين لم تعد المدينة التي تُدار منها الدولة، ولا حتى المدينة التي تُدار لنفسها. تحولت إلى مساحة تُدار فيها الصراعات، وتُرحَّل إليها المشكلات، ويُطلب من أهلها الصبر الدائم، دون أن يُمنحوا حق السؤال: لماذا وصلنا إلى هنا؟

مدينة بموقع عدن، وبتاريخها، وبما راكمته من خبرة إدارية ومدنية عبر عقود، لا يمكن أن تفشل بطبيعتها. الفشل ليس صفة المدن، بل صفة السياسات التي تُفرض عليها. عدن لم تُهزم لأنها عاجزة، بل لأنها أُجبرت على أن تعيش بلا أدوات، وبلا صلاحيات، وبلا حماية لدورها الطبيعي بعيدا عن دورًا فاعل لأبنائها.

في كل مرة حاولت عدن أن تستعيد توازنها، جرى التعامل معها كمدينة يجب احتواؤها لا تمكينها، وضبطها لا إطلاق طاقاتها. وكأن المطلوب منها أن تتحمل أعباء الدولة كاملة، من دون أن تمتلك مفاتيح إدارتها. هكذا تحولت من مركز إنتاج إلى مركز استهلاك، ومن مدينة تُخطط للمستقبل إلى مدينة تُطارد الماضي.

الأقسى في هذه القصة أن عدن لم تطلب يومًا أكثر مما تستحقه. لم تطلب امتيازًا خاصًا، ولا معاملة فوق الآخرين، ولا دورًا مصطنعًا. كل ما طالبت به، بصمت أحيانًا وبصوت خافت أحيانًا أخرى، هو أن تُعامل كمدينة لها خصوصيتها، وأن يُعاد لها حقها في إدارة شؤونها، وحماية مواردها، وتوظيف موقعها لصالح سكانها اولا و محيطها ثانيا.

وحين تُترك مدينة بهذا الوزن دون قرار، فإن الخسارة لا تصيبها وحدها. فتعطيل عدن يعني تعطيل بوابة الاقتصاد، وإغلاق نافذة الاستثمار، وتحويل الموقع من فرصة إلى عبء. مدينة أُنهكت لا لأنها فقيرة، بل لأنها مُنعت من أن تكون ما خُلقت لتكونه.

ومع ذلك، لا تزال عدن، رغم كل ما أصابها، مدينة قابلة للحياة. ما زالت تمتلك القدرة على النهوض، لا بالمسكنات، ولا بالوعود المؤجلة، بل بقرار شجاع يعترف بحقيقة بسيطة: أن العدالة للمدن تبدأ بإعادة أدوارها ومنحها و ابنائها حقوقهم في ادارة عدن، لا بإدارة أزماتها.

الحديث عن مظلومية عدن ليس خطاب شكوى، ولا محاولة لاستدرار العاطفة، بل هو محاولة لوضع اليد على الجرح الحقيقي. فالحلول لا تبدأ من تحسين الخدمات فقط، بل من تصحيح العلاقة بين المدينة والقرار. من الاعتراف بأن ما جرى لم يكن صدفة، وأن ما سيأتي لن يكون أفضل ما لم يُعاد لعدن حقها الطبيعي في أن تكون شريكًا في الحل، لا عبئًا عليه.

من هنا تبدأ الحكاية،
ومن هنا فقط، يمكن أن يبدأ الإنصاف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!