بناء مؤسسات الدولة.. المعركة الحاسمة في اليمن

البعث نيوز ـ نجيب عبد الرحمن السعدي.
يمرّ اليمن اليوم بمرحلة حاسمة ومفصلية في تاريخه الحديث. فبعد التطورات والأحداث الأخيرة، بات واضحًا أن المملكة العربية السعودية أصبحت الجهة الإقليمية الاكثر حضورًا وتأثيرًا في إدارة الملف اليمني. لما لها من معرفة بالملف وما يريطها من علاقات ثقافية واجتماعية تاريخية باليمن اضافة الى ما تحضى به السعودية من احترام وقبول عند اليمنيين ، إن توحيد مركز القرار الإقليمي يُعدّ تطورًا إيجابيًا، لما له من أثر مباشر في تقليص تشتّت المواقف، وتعزيز الاستقرار في المناطق المحررة، والحد من الأنشطة الاحادية ذات الإجاندات الاقليمة الخاصة والتي أعاقت خلال السنوات الماضية عملية بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها.
كما أن ازدياد تركيز السعودية على الملف اليمني واهتمامها به يفرض، في المقابل، مسؤولية مضاعفة على قيادة الشرعية، لتكون على مستوى اللحظة التاريخية من حيث وضوح الأهداف، وتحديد الأولويات، والجاهزية المؤسسية لتنفيذ ما يُراد تحقيقه على الأرض.
من وجهة نظري، فإن اليمن يقف اليوم أمام معركتين رئيستين لا انفصال بينهما:
الأولى، معركة إنهاء خطر جماعة الحوثي الإرهابية؛
والثانية، معركة بناء مؤسسات الدولة.
وسأركّز هنا على المعركة الثانية، ليس تقليلًا من شأن المعركة العسكرية، بل إيمانًا بأن بناء الدولة هو المدخل الحقيقي للحسم، وهو الضمانة الأساسية لمنع الانزلاق إلى صراعات داخلية جديدة بعد استعادة صنعاء، ولحماية سيادة الدولة، وتغليب المصلحة العامة، ومنع أي طرف أو مكوّن من فرض أجندته في أي مسار سياسي مستقبلي.
إن بناء مؤسسات الدولة على أسس منهجية وحديثة يمثّل جوهر معالجة الملفات الاقتصادية، وتحسين الخدمات، ومكافحة الفساد، وتوحيد الجيش والأمن، وهو الضامن الوحيد لاستدامة الحلول وعدم ارتهانها للأشخاص أو التوازنات المؤقتة.
وفي هذا السياق، أستحضر ما طرحه الكاتب معاذ ناجي المقطري معاذ المقطري في احد منشوراته حين قال إن اليمن بحاجة إلى بناء مؤسسات الدولة لا إلى إصلاحها أو استعادتها، لأنها عمليًا لم تعد موجودة. وهو توصيف دقيق إلى حدٍ كبير؛ إذ إن ما كان قائما قبل عام 2011 لم يكن سوى نظام مؤسسي ضعيف ومفكك، مليء بالثغرات التنظيمية والتشريعية. وحتى لو افترضنا أن البناء المؤسسي آنذاك كان مقبولا، فإن التطورات الإدارية والتكنولوجية التي شهدها العالم خلال قرابة عقدين تجعل إعادة البناء اليوم ضرورة حتمية لا خياراً.
ويضاف إلى ذلك ما لحق بالمؤسسات في مناطق الشرعية من ضعف في الهياكل والموارد البشرية، وما تعرضت له المؤسسات في مناطق سيطرة الحوثيين من عبث وتشويه وصل إلى حدّ المسخ وطمس الهوية المؤسسية للدولة.
وعند الحديث عمّا يُطرح اليوم، وطوال الفترة السابقة، من برامج وإجراءات تحت عنوان الإصلاح الإداري والمالي، فلا بد من القول بوضوح إن هذه الجهود – مع التقدير لأصحابها – تظل قاصرة عن معالجة جوهر المشكلة. فالإصلاحات التي تُنفَّذ عبر المؤسسات القائمة نفسها تصطدم بخلل بنيوي أساسي، يتمثل في أن أي عملية إصلاح تواجه بطبيعتها مقاومة داخلية، ما يعني أن المؤسسات لا تستطيع إصلاح ذاتها بذاتها. كما أن هذه الجهود غالبًا ما تتم بصورة جزئية ومنفصلة، وبدون رؤية شاملة ومتكاملة، الأمر الذي لا يؤدي إلى بناء منظومة مؤسسية منسجمة، بل ينتج كيانات متفرقة ومفككة تفتقر إلى التكامل والفاعلية.
إن الخطاب الذي نسمعه عن الإصلاحات والجهود المتداولة، على أهميتها، لا ترقى إلى مستوى التحديات القائمة ولا إلى حجم ما تحتاجه مؤسسات الدولة فعليا، وهي في كثير من الأحيان أشبه بمحاولة ترقيع ثوبٍ ممزقٍ باستخدام رقعٍ من ثوبٍ ممزقٍ آخر، دون معالجة أصل الخلل.
إن بناء مؤسسات الدولة ليس ترفاً فكريا ولا شعارا سياسيا، بل مطلبا ملحًا للخروج من دوامة الضعف والفشل التي تُنتج بدورها صراعات مسلحة متكررة. كما يجب إدراك أن البنية المؤسسية للدولة منظومة واحدة مترابطة، لا يمكن أن ينهض جزء منها في ظل تعطّل أو هشاشة بقية الأجزاء.
ومن الطبيعي أن تواجه أي عملية إصلاح أو إعادة بناء مؤسسي مقاومة من داخل المنظومة القائمة، وهو ما يُعرف بـ«مقاومة التغيير». هذا أمر متوقع ومُدار في كل التجارب الجادة، ولذلك تُعدّ ادلة وخطط واضحة لإدارة هذه المقاومة، لا تجاهلها. ولهذا السبب تحديدًا، تُوكل مهام البناء المؤسسي في كثير من الدول عادة إلى جهة مستقلة، متخصصة، ومحايدة، وغالبًا ما يتم إنشاء هيئة أو كيان وطني لهذا الغرض.
وحتى الوصول إلى مرحلة بناء مؤسسات الدولة بشكل شامل، لا بد من إعادة تفعيل ما هو قائم حاليًا من مؤسسات، وفي مقدمتها السلطات الثلاث. فعودة مجلس النواب، والأجهزة الرقابية، والسلطة القضائية، وتفعيل السلطة التنفيذية، ليست خيارات مؤجلة، بل ضرورة لا مفر منها. إن أي تهاون في هذا الجانب يعني تعميق الضعف، وإهدار الفرص، وتهيئة الأرضية لدورات عنف قادمة.
إن الشرعية اليوم بقيادة فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي مطالبة بإنتاج رؤية واضحة للمرحلة، تبدأ من مشروع وطني جاد لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وهو ما يتطلب إرادة سياسية حقيقية لإحداث تحول عميق في البنية التنظيمية والتشريعية، وتشكيل الكيان المختص بهذه المهمة، وتهيئة الظروف السياسية والإدارية لنجاحه، بالتوازي مع عودة فاعلة ومتكاملة للسلطات الثلاث.


