مقالات

الدولة والعصبة: صراع بين منطقين

البعث نيوز ـ بقلم

امين احمد الحاج

هذا هو جوهر المأزق الذي نواجهه اليوم في انتقالنا السياسي الصعب والمعقّد. والسؤال المطروح بالفعل: هل يمكن لفصيلٍ اعتاد منطق الحرب أن يتخلّى عن سياسة التعبئة والحشد والمواجهة ويتبنّى منطق السياسة التي تستطيع وحدها إحراز تقدّم على طريق بناء دولة أو “الدولة”؟… لا شيء مستحيل، لكن ليس مؤكّداً.

لا شيء مستحيل لأن كلّ الدول تكوّنت في البداية إمارات حرب أو وراثة، اعتمد فيها القائد أو الأمير على عصابةٍ تابعة له، وأحياناً على مرتزقةٍ يدينون له بالولاء، بل لا يمكن أن تُبنى الدولة، كما ذكر ابن خلدون، من دون عصبية قوية تقضي على منافسيها وتخضعهم لسلطتها، وتتحوّل إلى سلطة مركزية ذات سيادة. والسيادة أبرز ما يميّز الدولة من الإمارة.

لكن كي تنجح في التحوّل إلى دولة ينبغي، أن تتمثّل مبادئ الدولة وتعمل بقانونها. كي تنجح “عصبة الدولة” في إخضاع العصائب المتمرّدة ينبغي أن تخرُج هي بداية من منطق التعصب (لذاتها وأفرادها)، وأن تطوّر في وعيها وسلوكها، إلى جانب إدارة القوة، وأكثر فأكثر بدلاً منه، منطق الدولة والسياسة الذي يساعد وحده، بعكس منطق العصبة، على الجمع بين تشكيلات وجماعات مختلفة ومتآلفة حيث تزول كتامة اللحمة والعصبية أمام نور القانون المعلن والواضح للجميع.

والسياسة، كما يروى عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال عندما سئُل: “كيف حكمت الشام عشرين عاماً أميراً، ثمّ حكمت بلاد المسلمين عشرين عاماً أخرى خليفةً للمسلمين؟ فقال: “لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا مدّوها أرخيْتها وإذا أرخوها مددتُها”.

ولا يعني هذا أن السياسة تصلح من دون قوة، لكنّه يشير إلى أن جوهر السياسة الاقتصاد في العنف والتركيز على التحالفات والتسويات وعند الحاجة تقديم تعويضات أو مكافآت مادية أو سياسية وإشراك الجميع في العملية. وهذه الشراكة التي تكسر الاحتكار هي التي تقوّي خيار الدولة على حساب التمسّك بالإمارة أو العصبة.

هكذا تشكّلت الدول وولدت الأمم متعدّدة المشارب والعقائد والتجمّعات والعصائب والأحزاب، وصارت وطناً ترجع ملكيته لجميع أبنائه.

دور المجتمع المدني والقوى السياسية المدنية في دعم بناء الدولة:
المجتمع المدني والقوى السياسية المدنية يلعبان دورًا مهمًا في دعم بناء الدولة من خلال تعزيز المشاركة المجتمعية، وتشجيع الحوار الوطني، ودعم المؤسسات الديمقراطية. يمكن للمجتمع المدني والقوى السياسية المدنية أن يساهما في بناء دولة قوية من خلال:

  • تعزيز الوعي السياسي والحقوقي
  • دعم الحوار الوطني والتوافق السياسي
  • مراقبة أداء الحكومة والمؤسسات العامة
  • تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين
  • المشاركة في صنع القرار السياسي

إذا لم نعمل منذ الآن على إعادة القطار إلى السكّة الصحيحة، فنحن نغامر بأن نضحّي بكلّ ما حقّقناه من مكاسب، بما فيها القضاء على حكم العصابة السابقة، وسنفتح الباب أمام إحياء وانفلات جميع العصبيات الراكدة أو الضعيفة وتشجيعهاعلى النهوض للتعويض عن غياب الدولة ومؤسّساتها الحامية والكافلة، وربّما تدشين دورة جديدة من الصراع الدامي بين العصائب والفصائل والمليشيات التي يشكّل النزاع والقتال، كما ذكرت، زادها ومبرّر وجودها معاً.

سيكون ذلك تجديداً لعصر الفوضى الضاربة، حيث لا سيادة في الأرض ولا احتكار للعنف، ولا لزوم للشرعية، ولا وجود لش، وإنما (كما درج على تسميته بعضهم) “مكوّنات”، أي جماعات وطوائف وعصبيات بعضُها يعادي بعضاً، وتتنازع على فتات اعترافات خارجية واهية، إن لم تكن مهينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!