عندما تُختطف القضية العادلة… من 1967 إلى اليوم…

البعث نيوز ـ بقلم : صفوان سلطان
القضايا العادلة لا تُهزم دفعة واحدة، بل تُستنزف حين تُدار بعقلية الإقصاء، ويُختزل المجتمع في فصيل، ويُقدَّم السلاح على السياسة، ويُجرَّم الاختلاف باسم القضية ذاتها. وهذا أخطر ما تواجهه القضية الجنوبية اليوم.
القضية الجنوبية، في جوهرها، قضية عادلة، نابعة من مظالم تاريخية وسياسية واقتصادية حقيقية، وقد حظيت على مدى سنوات بدعم إقليمي معتبر، وبفرص تمكين غير مسبوقة، كان يمكن أن تفتح مسارًا عقلانيًا ومتدرجًا يعيد الاعتبار للجنوب، ويحفظ استقراره، ويصون علاقاته مع محيطه. غير أن الخطر لم يكن يومًا في خصوم القضية، بل في من قرر القفز عليها.
من 1967… الدرس الذي لم يُستوعب
في عام 1967، لم تُبنَ الدولة الجنوبية على التوافق، بل فُرضت سلطة بالسلاح، وأُلغيت السياسة، وصُودرت التعددية، وتحوّل التنظيم إلى ممثل وحيد، ومن خالفه وُصف بالعدو أو الخائن. يومها قيل إن ذلك يتم “باسم الثورة”، وكانت النتيجة دولة مغلقة، وصراعات داخلية، وانفجارًا مؤجلًا لم يتوقف أثره حتى اليوم.
التاريخ لا يعاقب بالصدفة، بل يعاقب حين تتكرر الأخطاء نفسها تحت عناوين جديدة.
اليوم… إعادة إنتاج الخطأ ذاته
ما يجري اليوم يُنذر بإعادة إنتاج النموذج نفسه:
فصيل يمتلك السلاح والمال يقفز على الإرادة الجنوبية قبل أن يقفز على الدولة اليمنية، يحتكر التمثيل، ويصادر القرار، ويحوّل القضية من مشروع حقوقي جامع إلى سلطة تضيق بالرأي وتخشى الاختلاف.
كما في 1967، يُعاد تصنيف الناس لا على أساس مواقفهم الوطنية، بل على أساس الولاء. وكما في 1967، يُختزل الجنوب في صوت واحد، ويُحاكم المختلفون بتهم جاهزة: خيانة، عمالة، أخونة، أو خروج عن الصف. وكما في 1967، يُقدَّم الأمن على السياسة، والقوة على الشراكة، والفرض على التفاهم.
من التمكين إلى المصادرة
لا يمكن إنكار أن الجنوب حظي، خلال السنوات الماضية، بدعم إقليمي صادق، لم يبخل في التمكين السياسي والأمني، ولا في رعاية تفاهمات واضحة، تمت بضمانات معلنة، وفي عاصمة القرار العربي، لا في الهامش ولا في الظل. هذا الدعم لم يكن تفويضًا مفتوحًا، بل كان قائمًا على الشراكة، وضبط الإيقاع، واحترام السياق الإقليمي وحساسيته.
غير أن الانقلاب على تلك التفاهمات، والاستهانة بضماناتها، ومحاولة فرض وقائع بالقوة، لا تخدم القضية الجنوبية، بل تدفعها نحو العزلة، تمامًا كما حدث في تجارب سابقة ظن أصحابها أنهم امتلكوا القوة الكافية لتجاوز الجميع.
حين تُظلم القضية أبناءها
أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي قضية عادلة هو أن تتحول إلى سلطة تظلم أبناءها قبل غيرهم. حين يُخوَّن الجنوبي لأنه اختلف، ويُتَّهَم لأنه سأل، ويُقصى لأنه رفض العسكرة، فإن المشكلة لم تعد في الخصوم، بل في بنية التفكير ذاتها.
لا توجد قضية عادلة تخاف من النقد، ولا مشروع وطني يحتاج إلى تخوين مجتمعه ليبقى. القضايا التي تُدار بهذا المنطق تفقد شرعيتها الأخلاقية أولًا، ثم تخسر معركتها السياسية لاحقًا.
العبث بالعلاقة مع المحيط الإقليمي
القضايا لا تعيش خارج الجغرافيا السياسية، ولا تُدار بمنطق القفز على الحلفاء أو تجاهل الداعمين. الجنوب ليس جزيرة معزولة، وأي مسار يتجاهل أهمية العلاقة المتوازنة مع المحيط الإقليمي، أو يستخف بالدعم الذي قُدِّم، أو يتعامل مع الضمانات كمرحلة عابرة، إنما يضع القضية في مواجهة واقع دولي لا يرحم.
وهنا تحديدًا يتكرر خطأ 1967: الاستقواء المؤقت بالسلاح، مقابل خسارة العمق السياسي والاستراتيجي.
الخلاصة
القضية الجنوبية لا تحتاج إعادة إنتاج أخطاء الماضي، بل تحتاج شجاعة الاعتراف بها.
لا تحتاج وصاية، بل شراكة.
ولا تحتاج تخوين أبنائها، بل احتضانهم.
من 1967 إلى اليوم، الدرس واحد:
القضية العادلة لا تنتصر حين تُختطف، ولا تعيش حين تُدار بالقوة، ولا تُحمى حين تتحول إلى سلطة تُقصي وتُخوِّن.
القضية الجنوبية ستبقى عادلة…
لكن عدالة القضايا تُقاس بطريقة إدارتها، لا بشعاراتها.



