حلف مكة يدخل نادي الكبار: من ضامن للسلام إلى صانع للمعادلة الأمنية

البعث نيوز ـ امين احمد الحاج
إن ما يجري اليوم في طهران ليس مجرد لقاء دبلوماسي عابر، ولا محطة بروتوكولية في مسار أزمة، بل هو منعطف تاريخي يعيد تعريف موازين القوى في الإقليم. إن اجتماع دول حلف اتفاق مكة في العاصمة الإيرانية، بهذا الوزن السيادي والثقل الجيوسياسي، يعلن بوضوح نهاية مرحلة الوصاية الخارجية على المنطقة، وبداية مرحلة الإرادة الذاتية. إنه إعلان ولادة فاعل إقليمي جديد لا يطلب الإذن، بل يفرض الرؤية، ولا ينقل الرسائل، بل يكتبها.
من التهدئة إلى صناعة الحل: وفود بهذا المستوى الرفيع لا تتحرك في جغرافيا التوتر لتسويق التهدئة أو لعب دور ساعي البريد بين المتخاصمين. إنها تتحرك لتطرح رؤية سيادية متكاملة لإنهاء حروب عبثية استنزفت المنطقة، وصياغة مستقبلها بإرادة قواها الحية، لا بما يُملى عليها من عواصم ما وراء البحار. لقد تجاوز اتفاق مكة مربع رد الفعل إلى مربع الفعل الاستراتيجي
أركان الأمن الإقليمي الحقيقي: إن هذه الدول ليست أرقاماً هامشية في المعادلة، بل هي أقطاب وازنة ذات تأثير بنيوي على المستويين الإقليمي والدولي. هي تمثل العمق العربي والإسلامي، والثقل الاقتصادي، والشرعية السياسية، والامتداد التاريخي. وهي وحدها من يمتلك القدرة الفعلية على منع إشعال حرب إقليمية كبرى جديدة، لأنها وحدها من يملك مفاتيح الاستقرار وأوراق الضغط الحقيقية.
الضامن الوحيد والوسيط الموثوق: في لحظة انعدام ثقة مطلقة، حيث تعلن طهران صراحة أنها لا تثق بالإدارة الأمريكية، يبرز حلف مكة كالضامن الوحيد القادر على تقديم ضمانات حقيقية وملزمة. فهو يجمع في آن واحد بين علاقة استراتيجية متينة مع واشنطن، وعلاقة احترام وتواصل تاريخي مع طهران. إنها رسالة أخيرة وصريحة لإيران: إن كنتم دولة تحترم القانون الدولي والأعراف والمواثيق والعلاقات الدولية، فهذا هو المحك. إن العالم لا يتعامل مع الشعارات، بل مع سلوك الدول.
لقد بات معلوماً لطهران قبل غيرها أن الاتفاق الذي وقعته مع الولايات المتحدة أصبح حبراً على ورق في عقل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. السؤال الجوهري اليوم لم يعد: ماذا تريد أمريكا؟ بل: ماذا تستطيع إيران أن تقدم من تنازلات جوهرية وحقيقية، وخصوصاً في ملفها النووي والبرنامج الصاروخي وسلوكها الإقليمي، مقابل سلة ضمانات تاريخية تمنحها دول حلف مكة؟ ضمانات تحفظ الدولة ولا تحفظ المشروع.
إن تحالف اتفاق مكة لم يأتِ لاحتواء تهديد تكتيكي عابر، ولا لكبح نفوذ دولة فحسب. لقد جاء لمواجهة مشروع كامل متكامل يستهدف إعادة تشكيل المنطقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً وعقائدياً. مشروع جوهره تمكين الكيان الصهيوني من قيادة الإقليم، وإسناد أدوار وظيفية لقوى طارئة ودخيلة تتجاوز بأضعاف حجمها الطبيعي وتاريخها. إنها معركة وجودية على هوية المنطقة، وعلى من يملك قرارها السيادي، ومن يرسم مستقبل أجيالها.
يستحيل تحليلاً وسياسةً تصور تحرك بهذا الحجم والأهمية الاستراتيجية دون تنسيق عميق مع واشنطن. وهذا هو بيت القصيد ودلالته البالغة. إن هذا التنسيق يعني قبولاً أمريكياً ضمنياً وصريحاً بأن تقود الدول الموقعة على اتفاق مكة مبادرة إنهاء الحروب وصياغة توازنات المنطقة. وألا تنفرد واشنطن وحدها بتقرير قواعد الاشتباك وتوزيع الأدوار. التنسيق لا يعني تطابق الأهداف مئة بالمئة، لكنه يكشف عن معادلة جديدة لإدارة الإقليم: اتفاق مكة هو الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه.
إن أمام طهران اليوم مخرجاً تاريخياً لا يتكرر. مخرج لا يوقف آلة الحرب المدمرة فحسب، بل ينقذ ما تبقى من الدولة الوطنية الإيرانية من الانهيار، ويعيد بناء نظامها وموقعها الطبيعي كدولة محترمة في محيطها، لا كثورة تصدر الفوضى.
وما يتيحه لها اتفاق مكة اليوم من ضمانات واحتواء وإعادة دمج، لا يملكه ولا يستطيع تقديمه أي طرف آخر في العالم. الكرة الآن في ملعب طهران.
فهل تغتنم القيادة الإيرانية هذه اللحظة التاريخية ببراغماتية رجل الدولة، أم تهدرها بعناد الأيديولوجيا فتخسر كل شيء؟ الأيام القليلة القادمة وحدها تحمل الإجابة الفاصلة.
الثابت الذي لا جدال فيه أن اتفاق مكة لم يعد مجرد اتفاق، بل انتقل بجدارة ليكون الفاعل المركزي في معادلة المنطقة. وهو يواجه المشاريع التخريبية لا بسياسة احتواء نتائجها الفاشلة، بل بإلغاء مبررات وجودها من الأساس.



