أنفاس الكهنوت المعدودة

البعث نيوز ـ بقلم / صفوان سلطان
ثمة لحظات في عمر الأمم لا تُقاس بعدد الأيام، وإنما بحجم التحولات التي تحدث فيها.
ولعل اليمن اليوم يقف أمام واحدة من تلك اللحظات التي يصعب أن تمرّ دون أن تترك أثرًا في مسار تاريخه.
فمن يراقب المشهد اليمني بعيدًا عن ضجيج الدعاية الحوثية، يستطيع أن يلحظ تحولًا مهمًا في طبيعة المعركة. الجماعة التي اعتادت أن تتحدث عن التوسع والسيطرة وفرض الأمر الواقع، باتت منشغلة أكثر فأكثر بالدفاع عن وجودها، وبمحاولة إخفاء ما يعتمل داخل مناطق سيطرتها من أزمات وغضب واحتقان.
لقد تغيّر السؤال.
لم يعد: إلى أين يستطيع الحوثي أن يتقدم؟
بل أصبح: إلى متى يستطيع أن يصمد؟
وهنا تكمن أهمية اللحظة.
من مشروع التوسع إلى معركة البقاء
حين تضيق الخيارات أمام الجماعات الأرهابية، تبدأ اللغة العسكرية في التغير. وحين تعجز عن تحقيق أهدافها في الميدان، تلجأ إلى استعراض القوة في أماكن لا تصنع انتصارًا، وإنما تصنع ضجيجًا.
الهجمات الصاروخية والمسيّرة التي تستهدف المدنيين والمناطق السكنية ومخيمات النازحين لا يمكن تقديمها باعتبارها دليل قوة. إنها، في جوهرها، محاولة للتعويض عن عجز ميداني وسياسي متزايد، ومحاولة لإبقاء الخوف حاضرًا في الوعي العام، بينما تتراكم داخل مناطق سيطرة الجماعة أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية خانقة.
فالسلطة التي تضطر إلى التجنيد القسري، ومصادرة موارد الناس، وفرض الجبايات تحت مسميات دينية، وملاحقة المعارضين، لا تبدو كسلطة واثقة من مستقبلها.
إنها سلطة تخشى المستقبل.
وهذا هو الفارق بين من يملك مشروع دولة، ومن يحاول أن يؤجل سقوط مشروعه بالقوة.
الدولة تستعيد المبادرة
في المقابل، ثمة تغير آخر لا يقل أهمية يجري على الجانب الآخر من المعادلة.
فالجبهات التي ظلت لسنوات تبدو متباعدة في حساباتها وإيقاعها، بدأت تقترب أكثر من مفهوم العمل الوطني المشترك، فيما يتقدم خطاب الدولة على خطاب الفصيل، وتتراجع الحسابات الضيقة أمام الحاجة إلى استعادة مؤسسات الجمهورية وإنهاء الانقلاب.
وفي هذا السياق، تكتسب مواقف رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي أهمية خاصة، حين يؤكد أن أبناء المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ليسوا خصومًا للدولة، وإنما جزء أصيل منها، وأن معركة استعادة المؤسسات ليست معركة انتقام، بل معركة لاستعادة حق اليمنيين في دولتهم.
هذه الرسالة ليست تفصيلًا سياسيًا.
فأكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الشرعية هو أن تسمح للحوثي بأن يحوّل الصراع من معركة بين الدولة والانقلاب إلى صراع بين مناطق أو جماعات اجتماعية.
ولذلك فإن مخاطبة المواطن في صنعاء وصعدة والحديدة وعمران وغيرها باعتباره مواطنًا ينتظر عودة دولته، هي في حد ذاتها معركة سياسية ضد المشروع الحوثي.
الدولة لا تستعيد مواطنيها بالثأر منهم، وإنما باستعادة ثقتهم.
الساحل الغربي… حيث تتجاوز المعركة حدود اليمن
وعلى الساحل الغربي يتواجد الفريق طارق صالح عضو مجلس قيادة رئاسي بين اخوانه و ابنائه من القوات المسلحة و المقاومة الوطنية، ليقود معركة ليس ضد الكهنوت الحوثي فقط، بل ضد فكر النظام الايراني و احلامهم المريضة.
فهذا الساحل يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وباب المندب ليس مجرد جغرافيا يمنية، بل ممر حيوي للتجارة الدولية وأمن الطاقة وحركة الملاحة بين الشرق والغرب.
ومن هنا فإن وجود قوات يمنية قادرة على حماية الساحل ومراقبة خطوط التماس ومنع تحويل المنطقة إلى منصة دائمة لتهديد الملاحة، يمثل جزءًا من معركة استعادة الدولة وسيادتها، كما يمثل في الوقت نفسه مساهمة مباشرة في أمن المنطقة والعالم.
لقد حاول الحوثي أن يحوّل الجغرافيا اليمنية إلى ورقة إقليمية، وأن يجعل من البحر الأحمر مساحة ايرانية للمقايضة السياسية وإرسال الرسائل إلى الخارج.
لكن المعادلة الأهم هي أن اليمنيين أنفسهم قادرون على استعادة السيطرة على جغرافيتهم، متى توحد القرار السياسي والعسكري، وتحولت الجبهات من ساحات متفرقة إلى أجزاء من مشروع وطني واحد.
مأرب… حين تتحول الجغرافيا إلى إرادة
ولعل مأرب بتواجد الشيخ سلطان العرادة عضو مجلس القيادة الرئاسي وسط اهله و قبائله العربية الاصيلة تبقى المثال الأكثر وضوحًا على أن الحرب لا تُحسم دائمًا بكثرة السلاح، وإنما بقدرة المجتمع على الصمود وحماية مشروعه.
فمأرب لم تكن مجرد مدينة أو محافظة صمدت أمام هجمات متتالية؛ لقد أصبحت عنوانًا لإمكانية بقاء الدولة في قلب الجغرافيا جغرافيا سيطر الحوثي على محيطها، ونموذجًا لقدرة المجتمع على مقاومة مشروع أراد أن يختزل اليمن في سلطة جماعة ارهابية عنصرية.
من تعز إلى الجوف… جبهات تستنزف مشروعًا
ولا تقف الصورة عند مأرب او الساحل الغربي.
في تعز، ما زال الحوثي عاجزًا عن ابتلاع المدينة التي قاومت الحصار والقصف لسنوات، وظلت واحدة من أكثر الجبهات تعبيرًا عن تمسك اليمنيين بفكرة الدولة والجمهورية.
وفي الجوف، تستمر المواجهة على جغرافيا واسعة، فيما يحاول الحوثي استخدامها كمساحة للمناورة والضغط على الجبهات الأخرى.
وعلى امتداد الساحل الشمالي الغربي، تبقى مراقبة خطوط التهريب وحركة السلاح جزءًا من معركة أوسع تتصل بمصادر قوة الجماعة وقدرتها على الاستمرار.
قد تبدو هذه الجبهات، للوهلة الأولى، متباعدة.
لكنها في الحقيقة ترسم صورة واحدة:
مشروع الحوثي لم يعد قادرًا على تحويل قوته العسكرية إلى سيطرة سياسية كاملة على اليمن.
وهذه الحقيقة، أكثر من أي انتصار تكتيكي هنا أو هناك، هي ما ينبغي أن يبنى عليه المستقبل.
السعودية… السند الذي لم يتغير
وفي قلب هذا المشهد، يصعب الحديث عن صمود الدولة اليمنية دون التوقف عند الدور السعودي.
فالمملكة العربية السعودية لم تتعامل مع اليمن باعتباره ملفًا عابرًا في سياستها الخارجية، وإنما باعتباره جزءًا من أمنها الاستراتيجي وامتدادًا لعلاقات تاريخية واجتماعية عميقة.
ومنذ اندلاع الحرب، لم يقتصر الدعم السعودي على الجانب العسكري، بل امتد إلى الاقتصاد والتنمية والإغاثة والعمل السياسي، في محاولة للحفاظ على مؤسسات الدولة اليمنية ومنع انهيارها الكامل تحت وطأة الحرب.
والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع هي أن استقرار اليمن ليس مصلحة سعودية وحدها، كما أن انهياره ليس خطرًا على اليمنيين وحدهم.
اليمن المستقر والقادر على حماية حدوده وسواحله ومؤسساته هو مصلحة عربية وإقليمية ودولية.
ولهذا فإن دعم المملكة لليمن هو، في جوهره، دعم لاستقرار المنطقة ومنع تحويل اليمن إلى منصة دائمة للفوضى والصراع الإقليمي.
ماذا بقي للحوثي؟
عندما نضع هذه المشاهد كلها أمامنا، تبدو الصورة أكثر وضوحًا.
جماعة تحمل السلاح منذ سنوات، لكنها لم تستطع أن تتحول إلى دولة.
تسيطر على صنعاء، لكنها لم تستطع أن تمنح الناس حياة طبيعية.
تفرض الجبايات، لكنها تعجز عن بناء اقتصاد.
تطلق الصواريخ، لكنها لا تستطيع أن تقدم مشروعًا سياسيًا مقنعًا.
وتتحدث باسم الدين زوراً، بينما تتسع الفجوة بينها وبين المجتمع الذي تحكمه بالقوة.
هذه ليست مؤشرات مشروع صاعد.
إنها مؤشرات مشروع استنفد كثيرًا من قدرته على الإقناع، ولم يعد يملك إلا الارهاب وسفك الدم لإطالة عمره.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة المقبلة؛ فالجماعات الارهابية التي تشعر بأن مساحة خياراتها تضيق قد تصبح أكثر اندفاعًا وأكثر استعدادًا للمغامرة، ولذلك فإن التعامل مع الحوثي لا ينبغي أن يكون من موقع انتظار ما سيفعله غدًا، وإنما من موقع بناء ما يجب أن تفعله الدولة اليوم.
أنفاس معدودة
ربما لا يستطيع أحد أن يحدد موعد نهاية الانقلاب، فالتاريخ لا يمنح مواعيده مسبقًا.
لكن المؤكد أن مشاريع الهيمنة لا تعيش إلى الأبد، وأن الكهنوت المسلح مهما امتلك من أدوات القوة لا يستطيع أن يلغي حقيقة أبسط: اليمن أكبر من جماعة ارهابية عنصرية، والجمهورية أعمق من انقلاب، والدولة أبقى من السلاح.
لقد مرت سنوات طويلة، دفع خلالها اليمنيون ثمنًا باهظًا من دمائهم وأمنهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم.
لكن تلك السنوات لم تمنح الحوثي ما كان يبحث عنه: شرعية وطنية حقيقية.
وهذه ربما هي نقطة ضعفه الأكبر.
فقد يستطيع السلاح أن يفرض الخوف، لكنه لا يستطيع أن يصنع وطنًا. وقد تستطيع القوة أن تؤجل سقوط مشروع، لكنها لا تستطيع أن تمنحه المستقبل.
أما المستقبل، فسيبقى لمن يستطيع أن يجمع اليمنيين حول دولة يتساوى فيها المواطنون، ويعلو فيها القانون على السلاح، وتعود فيها السياسة إلى مكانها الطبيعي، ويصبح القرار الوطني ملكًا لليمنيين وحدهم.
قد تطول الطريق، وقد تكون المعركة أكثر كلفة مما نريد، لكن أنفاس الكهنوت تظل معدودة وقصيرة … لأن اليمن، في النهاية، لن يكون إلا وطنًا لجميع أبنائه.



