مقالات

مزادات العملة .. التدخل الذي انقذ سوق الصرف من الإنفلات

البعث نيوز ـ بقلم / عبدالسلام هائل


من السهل اليوم أن يجلس أحدهم امام جدول من أرقام سعر الصرف، ثم يحاكم مزادات العملة بسؤال واحد :هل انخفض سعر الدولار بالقدر الذي كان متوقعا ؟فإذا كانت الإجابة لا،يصبح الاستنتاج جاهزا بأن (المزادات لم تنجح ) لكن هذه الطريقة في قراءة السياسة النقدية تختزل سوق الصرف اليمنية، بكل تعقيداتها ،في متغير واحد، متجاهلا طبيعة الظروف عمل فيها البنك المركزي .


فمزادات العملة التي نفذها البنك المركزي اليمني في عدن جاءت في بيئة استثنائية شائكة؛ وفي مقدمتها حرب وانقسام نقدي ومؤسسي، توقف صادرات النفط، فضلا عن شح في النقد الأجنبي، إلى تراجع في الموارد العامة، واضطرابا في التجارة، وسيولة محلية متقلبة ،ومضاربات وتراجع في الثقة..


وفي مثل هذه البيئة ،لم يكن السؤال الاقتصادي الأكثر دقة هو : هل أعاد المزاد الريال اليمني إلى مستواه السابق ؟ بل السؤال كان ينبغي أن يكون: مالدور الذي استطاعت المزادات أن تؤديه في إدارة الضغوط على سوق الصرف،وما حدود قدرتها على التأثير في الاتجاه العام لسعر الصرف ؟


وحتى يكون الحكم أكثر توازنا فإنه يجب أن يفهم ان مزاد العملة ليس أداة لإنتاج النقد الأجنبي؛ انما هو أداة لإدارته وتخصيصه والتدخل من خلاله في سوق الصرف .


فالبنك المركزي عندما يبيع النقد الأجنبي في المزاد لايخلق موارد جديدة من الدولار، انما يستخدم ما يتوفر لديه من موارد واحتياطيات لتلبية جزء من طلب السوق على النقد الأجنبي، وهذه مسألة جوهرية .


فأذا كان الاقتصاد يعاني من ضعف الصادرات ،وتوقف عائدات النفط ،وتراجع تدفقات النقد الأجنبي ،وارتفاع فاتورة الاستيراد ،فإن قدرة البنك المركزي على الدفاع عن سعر الصرف تصبح محدودة مهما كانت ٱلية التدخل التي يستخدمها.


لذلك فإن عدم قدرة المزاد على إعادة سعر الدولار إلى مستويات سابقة لايعني بالضرورة أن المزاد كان بلا وظيفة.
ماالذي كان يفعله المزاد إذن؟


كان المزاد يمثل إحدى أدوات التدخل المباشر في سوق الصرف .


ومن خلاله يستطيع البنك المركزي ضخ جزء من النقد الأجنبي الى السوق، لتلبية جانب من طلب المستوردين والمتعاملين، وتخفيف بعض الضغوط على السوق، وإظهار وجود سلطة نقدية قادرة على التدخل، وهذه الوظيفة الأخيرة ليست هامشية.


ففي اسواق الصرف المضطربة، لايتحدد السعر بالعرض والطلب الحاليين فقط، انما تتأثر الاسعار أيضا بالتوقعات.
وعندما يعتقد المتعاملون أن البنك المركزي غير قادر أو غير راغب في التدخل، يمكن أن تتحول التوقعات نفسها الى مصدر اضافي للضغط على العملة.


أما عندما يتواجد البنك المركزي في السوق بقطع النظر عن موارده المحدودة، فإنه يمكن أن يحد من حالة الذعر ويجعل انتقال السوق إلى مستويات أعلى من سعر الصرف؛ أقل حدة مما قد يكون عليه الوضع في غياب التدخل.


لذا يتعين علينا عدم المبالغة، إذ لايمكن إثبات نجاح المزادات بمجرد القول إن الدولار كان يمكن الصعود أعلى لولاها، لأن مثل هذ الافتراض قد لا يعكس الواقع لأنه ببساطة يحتاج إلى أدلة، مثل مقارنة فترة المزادات بفترات مماثلة لم يكن فيها تدخل، أو قياس اثر المزادات على تقلبات سعر الصرف وفروق الأسعار وحجم المضاربة.


هذا هو الفارق بين الدفاع عن سياسة نقدية وبين تحليلها


كما يجب أن يفهم أيضا أن سعر الصرف أكبر من المزاد..
فسعر الصرف في اليمن لاتحدده مزادات البنك المركزي وحدها فهو نتيجه لتفاعل مجموعة واسعة من العوامل، يأتي في مقدمتها تدفقات النقد الأجنبي للتحويلات ،الصادرات ، الواردات ، السيولة المحلية،عجز المالية العامة ،الثقة،التطورات السياسية والأمنية ،التوقعات ،والمضاربة.


وعليه فإن تحميل المزاد وحدة مسؤولية ارتفاع سعر صرف الدولار يعني تحميل أداة واحدة مسؤولية الاختلالات الاقتصادية الكلية التي تراكمت لسنوات.


فٱذا انخفضت موارد النقد الأجنبي، وارتفع الطلب على الدولار، وتراجعت الثقة بالعملة المحلية؛ فإن البنك المركزي لايستطيع أن يعوض هذه الاختلالات إلى مالا نهاية من خلال بيع النقد الأجنبي، وهنا تظهر حدود السياسة النقدية بوضوح.


والخلاصة أن البنك المركزي يستطيع إدارة سوق الصرف، لكنه لا يستطيع بنفردة إصلاح الاقتصاد الحقيقي الذي يحدد قدرة البلاد على توليد النقد الأجنبي .

وهنا يجب تجاوز الخطا الشائع في تقييم تدخلات البنوك المركزية وهو ربط نجاحها دائما بانخفاض سعر الصرف .


قد لايستطيع البنك المركزي إعادة الدولار إلى إلى سعر معين،لكنه قد يستطيع الحد من موجة المضاربة أو تخفيف حدة ارتفاع مفاجىء أو توفير النقد الأجنبي لجزء من الطلب الحقيقي .

وهذه ٱثار مهمة ،لكنها تختلف عن القول إن أن المزادات نجحت في تغيير الاتجاه الاساسي لسعر الصرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!