من البازار إلى الجامعات: احتجاجات إيران تتسع في مواجهة أزمة اقتصادية وقمع أمني

البعث نيوز ـ خاص
شهدت إيران، منذ 28 ديسمبر 2025، موجة احتجاجات متصاعدة انطلقت من قلب البازار التقليدي لتشمل شرائح مجتمعية أوسع، أبرزها الجامعات، في تحول نوعي يعكس عمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه البلاد.
وبدأ الحراك الاحتجاجي بتظاهرات نظمها أصحاب المحال والتجار في البازار، احتجاجًا على الانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني والتلاعب بأسعار السوق، مما أدى إلى تآكل مدمر في القوة الشرائية وشلل في النشاط الاقتصادي. يُعد خروج هذه الشريحة الاقتصادية، المعروفة بحذرها تاريخيًا في التعبير عن المعارضة، جرس إنذار قوي على حدة الأزمة.
ولم تبق الاحتجاجات حبيسة الإطار الاقتصادي، فسرعان ما امتدت خلال اليومين التاليين لقطاعات اجتماعية أوسع، قبل أن تندلع داخل أسوار الجامعات في 30 ديسمبر، ما نقل ساحة المواجهة مع السلطات من دائرة المطالب المعيشية المباشرة إلى فضاء أوسع يعبر عن إحباط جماعي من انسداد الأفق، خاصة لدى جيل الشباب.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، ردت الأجهزة الأمنية بحملة قمع واسعة، أسفرت عن وقوع اعتقالات جماعية، وإصابات، وتقارير عن سقوط قتلى. المشهد الذي يبرز اليوم هو مواجهة غير متكافئة بين متظاهرين سلميين يطالبون بحقوقهم الأساسية، وآلة أمنية تعامل المطلب الاجتماعي باعتباره تهديدًا يجب سحقه.
فيما تشير قراءة تحليلية لتكتيكات السلطة، استنادًا إلى موجات الاحتجاج السابقة (مثل احتجاجات نوفمبر 2019 وسبتمبر 2022)، إلى نمط متكرر يسعى فيه القمع إلى دفع التظاهرات السلمية نحو دوامة العنف والفوضى، سواء عبر الاستفزاز المباشر أو السماح بتصعيد الأوضاع. هذا المنهج، الذي وثقته منظمات حقوقية دولية مرارًا، يهدف إلى “تجيير” الأزمة: تحويلها من أزمة اقتصادية واجتماعية مشروعة إلى “أزمة أمنية” تبرر فيها السلطة توسيع دائرة القمع وتجريم الحراك بأكمله، ونزع الشرعية عن مطالب المحتجين.
فيماالرسالة الأساسية التي تبعثها هذه الاحتجاجات المتصاعدة هي أن إيران لا تواجه مجرد “أزمة أمنية” عابرة، بل تعاني من أزمة حكم عميقة تتعلق بشرعية النظام في عيون شريحة كبيرة من شعبه، خاصة الشباب. الأزمة هي أزمة ثقة بين دولة ومجتمع.
والقمع، مهما اشتد، يمكنه أن يفرض هدوءًا مؤقتًا على السطح، لكنه لا يحل الأسباب الجذرية للأزمة، والتي تكمن في فشل السياسات الاقتصادية، وانتشار الفساد، والقيود السياسية والاجتماعية الخانقة. بدلاً من الحل، يقوم القمع بتأجيل الانفجار وتراكم الغضب، مما يعمق الهوة ويجعل أي حل مستقبلي أكثر تعقيدًا.
كما ان الاحتجاجات الحالية تطلق صرخة مجتمع يطالب، في جوهره، بحقه في حياة كريمة، وفي العدالة الاجتماعية، وفي المشاركة في تقرير مصيره. تجاهل هذه المطالب الجوهرية، والاكتفاء برد الفعل الأمني، يعني أن إيران تواصل السير على حافة الهاوية، حيث يزداد الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي اشتعالاً مع كل شرارة جديدة.



