الخنبشي… رجل الدولة في المراحل الأكثر صعوبة

كتب نجيب عبد الرحمن السعدي
لا أعرف الأستاذ سالم الخنبشي عضو مجلس القيادة محافظ حضرموت معرفة شخصية، لكنني تعرفت إلى أسلوبه في إدارة العمل العام خلال أحداث أغسطس 2019 في عدن عندما اندلعت المواجهات بين الحكومة الشرعية وقوات المجلس الانتقالي وهي الأحداث التي انتهت بخروج الحكومة من العاصمة المؤقتة وتعطّل كثير من مؤسسات الدولة.
في تلك الفترة كان الخنبشي يشغل منصب نائب رئيس الوزراء، وأعتقد أنه كان المسؤول الحكومي الوحيد تقريباً الذي بقي في عدن يمارس كثير من مهام الدولة من قصر معاشيق، في وقت بدت فيه مؤسسات الدولة شبه غائبة عن المشهد.
كنت حينها رئيسًا للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، ووقع خلاف بين الوحدة التنفيذية وإحدى المنظمات الإنسانية بسبب امتناع المنظمة عن تزويدنا بتقرير حول توزيع المواد الإنسانية، وهو تقرير كنا نطلبه باعتباره متطلبًا رسميًا لتوقيع الإعفاءات الجمركية الخاصة بالمنظمة.
قام المدير القطري للمنظمة بزيارة الأستاذ سالم الخنبشي وتسليمه مذكرة شكوى ضد الوحدة التنفيذية.
ومنذ سقوط الدولة عام 2014 أصبحت المنظمات الدولية اللاعب الأكثر تأثيرًا في إدارة العمل الإنساني داخل اليمن. بل إن كثيرًا من الاوقات حلت محل الدولة انتقلت عمليا مهام الدولة إلى تلك المنظمات، بينما بقي حضور المؤسسات الحكومية في كثير من الأحيان شكلياً أو محدود الفاعلية. ونتيجة لذلك ترسّخ واقع غير معلن مفاده أن المنظمة تكون غالبًا في موقع القوة في أي خلاف مع جهة حكومية. وفي حالات كثيرة كان يكفي أن ترفع منظمة مذكرة شكوى إلى مسؤول حكومي حتى يصدر توجيهات فورية مؤيدة لما تطلبه دون تحقق كافٍ من الوقائع.
لكن ما حدث في هذه الواقعة كان مختلفاً.
تصرف الأستاذ سالم الخنبشي كرجل دولة وإدارة. فقد أحال إلينا مذكرة المنظمة، طالباً إفادة رسمية توضح ملابسات الموضوع. قمنا بإعداد رد مفصل وأرسلناه إلى مكتبه، وبعد مراجعته طلبوا منا تزويدهم ببعض الوثائق التي تدعم ما ورد في الإفادة، فقمنا بإرسالها.
وعلى ضوء ذلك وجّه الخنبشي خطاباً رسمياً إلى المنظمة يؤكد ضرورة التنسيق مع الوحدة التنفيذية للنازحين، باعتبارها الجهة الحكومية المختصة، وموافاتها بالتقارير المطلوبة.
كانت تلك المذكرة بالنسبة لنا إسناداً مؤسسيًا مهماً لجهة حكومية تعمل في ظروف شديدة التعقيد. كما شكلت نقطة تحول مؤقتة في العلاقة بين الوحدة التنفيذية والمنظمات الإنسانية، إذ أعادت التذكير بدور الدولة في تنظيم العمل الإنساني.
بعد أيام فوجئت باتصال من مكتب نائب رئيس الوزراء يبلغني بأن إحدى المنظمات الإنسانية طلبت مقابلة الأستاذ سالم الخنبشي لبحث قضايا متعلقة بعملها الإنساني. وطلبوا مني إعداد تقرير مختصر يتضمن طبيعة عمل المنظمة، وما تقدمه للنازحين، وأبرز القضايا التي ينبغي طرحها عليها، إضافة إلى أهم المشكلات الميدانية المرتبطة بعملها.
قمت بإعداد التقرير وإرساله، ثم طُلب مني حضور الاجتماع.
وخلال اللقاء وبعد أن عرض ممثلو المنظمة رؤيتهم بدأ الأستاذ سالم الخنبشي الرد على مداخلاتهم بنقاط مرتبة ومتماسكة. كان واضحًا أنه لم يكتفِ بتقرير واحد، بل طلب تقارير من عدة جهات، لأن مداخلاته عكست إلمامًا واسعًا بتفاصيل العمل الإنساني، وبطبيعة عمل المنظمات، وبالمشكلات الميدانية المرتبطة بها.
وقد أثار ذلك — بحسب ما أخبرني بعض موظفي تلك المنظمات — قدراً كبيرًا من الدهشة والإعجاب لديهم لأنهم لم يعتادوا أن يواجهوا مسؤولًا حكوميًا يمتلك هذا المستوى من المعرفة التفصيلية بالميدان و بالعمل الإنساني.
تكرر هذا النمط من الاجتماعات ثلاث مرات مع منظمات اخرى خلال فترة غياب الحكومة وبقاء الخنبشي في قصر معاشيق. وكان اللافت أن مكتب نائب رئيس الوزراء كان، بعد انتهاء كل اجتماع بساعات يرسل محضراً رسمياً يحدد ما تم الاتفاق عليه، وما المطلوب من الجهات الحكومية تنفيذه مع طلب تقارير متابعة بشأن ذلك.
قد تبدو هذه المواقف بسيطة في ظاهرها لكنها في الواقع كانت تحمل دلالة مهمة على معنى حضور الدولة حتى في لحظات ضعفها. فإدارة الاجتماعات بجدية والاستناد إلى معلومات دقيقة وتحويل النقاشات إلى قرارات قابلة للمتابعة كلها ممارسات تجعل من المؤسسات ماكينة عمل وتخلق تراكم اداري وتعيد الاعتبار لدور المؤسسة العامة.
ومن خلال هذه التجربة الصغيرة نسبياً يمكن ملاحظة مجموعة من القواعد الإدارية التي تشكل في الحقيقة جزءاً من تقاليد الدولة الحديثة.
أول هذه القواعد أن المسؤول العام لا ينبغي أن يكون مجرد موقع إداري، بل يجب أن يجسد معنى القيادة التي تُعزز حضور مؤسسات الدولة وتمنحها القوة والقدرة على أداء دورها حتى في أصعب الظروف.
أما القاعدة الثانية فتتمثل في أن المسؤول الفعّال لا يتعامل مع الملفات المطروحة أمامه بوصفها إجراءً شكلياً أو عبئاً روتينياً، بل يسعى إلى فهمها بدقة من خلال طلب التقارير والمعلومات من الجهات المختصة حتى يكون قراره مبنياً على معرفة حقيقية بالوقائع.
وثالث هذه القواعد أن الحفاظ على الأعراف والتقاليد الإدارية ليس ترفاً بيروقراطياً، بل هو جزء من حماية هيبة الدولة وإظهار قدرتها على العمل المنظم حتى عندما تمر بمرحلة ضعف سياسي أو أمني.
كما أن من أهم متطلبات الإدارة الناجحة خلق قنوات تواصل فعالة بين المستويات الإدارية المختلفة، بحيث يكون المسؤول في المستويات العليا معبراً حقيقياً عن واقع الميدان، وقادراً على نقل مشكلاته واحتياجاته إلى مستوى القرار.
وأخيراً فإن الاجتماعات الحكومية لا ينبغي أن تتحول إلى لقاءات بروتوكولية عابرة، بل يجب أن تكون لها مخرجات واضحة ومحاضر متابعة تضمن تحويل النقاشات إلى إجراءات عملية، وتحدد مسؤوليات التنفيذ والمتابعة.
قاعدة ذهبية وهي ان القائد الحقيقي لا يرمي فشله وعجزه على الواقع والظروف بل يعمل على تغييره وعندما يصل إلى قناعة باستحاله ذلك فعليه ان يترك مكانه.
ختاماً قد لا تبدو هذه الوقائع كبيرة في سياق الأحداث السياسية التي عاشتها البلاد لكنها تكشف كيف يمكن لمسؤول واحد أن يعيد — ولو جزئيًا — بعض ملامح الدولة في لحظة كانت مؤسساتها تتراجع. فالدولة لا تقوم فقط بالقوانين والقرارات الكبرى بل أيضا بتلك الممارسات الإدارية الصغيرة التي تعيد الانضباط إلى العمل العام، وتذكّر الجميع بأن هناك مؤسسة يجب أن تبقى حاضرة حتى في أصعب الظروف.
كما ان المسؤول الحقيقي لا يصنع مكانته بالمواكب وصور والمظاهر بل يصنعه بما يحدثه من اثر ملموس يتحدث عنه الواقع لا ما يتحدث عنه الاعلام.


