اليمن في مواجهة مصيره: معركة الدولة لم تنتهِ بعد

البعث نيوز ـ بقلم : صفوان سلطان
في خضم أزمة متشعبة الأطراف وعميقة الجذور، يقف اليمن اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، تتداخل فيه ملفات الحرب والسلام، والوحدة والتشرذم، والسيادة وشراء الولاءات. وفي قراءة موضوعية للمشهد، لا يمكن لأي مراقب منصف أن يتجاهل جملة من المعطيات التي رسمت ملامح المرحلة الراهنة بكل تعقيداتها.
أولاً: ملف الحوثي.. الرهان على الصمود
لا يزال الملف الحوثي يمثل التحدي الأكبر والأكثر تعقيداً في المعادلة اليمنية. فالجماعة التي انطلقت من صعدة لم تكتفِ بالسيطرة على الشمال، بل حوّلت اليمن إلى ساحة لمشروع سلالي يتجاوز حدوده الجغرافية، ويستمد وقوده من أجندات ايرانية لا علاقة لها بمصالح اليمنيين وتطلعاتهم.
مواجهة هذا المشروع لا تكون بالتهاون أو المهادنة، بل تستلزم ثباتاً في الموقف ووضوحاً في الرؤية وتماسكاً في الصف. وما يمكن قوله بموضوعية هو أن الخطاب الرسمي للشرعية حافظ على سقف ثابت في رفض الاستسلام لمنطق الأمر الواقع الذي تفرضه الجماعة، وهو موقف يلتقي مع تطلعات الغالبية العظمى من اليمنيين الذين يرفضون نموذج الحكم العسكري المسلح الذي يفرضه الحوثي بالقوة والترهيب.
ثانياً: الانتقالي.. أزمة الهوية والسلطة
يبقى المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل ملفاً شائكاً في المشهد اليمني، إذ يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين مكونات الشرعية ومساحة التمثيل السياسي المقبول. المشكلة ليست في الجنوب كقضية سياسية تاريخية تستحق معالجة جادة، بل في توظيف هذه القضية أداةً للتمدد على حساب مؤسسات الدولة وتهديد تماسك الشرعية من الداخل.
إدارة هذا الملف تستدعي حكمة سياسية نادرة، تجمع بين الحزم في مواجهة التجاوزات والانفتاح الحقيقي على معالجة المظالم المشروعة. والمراقب الموضوعي يلاحظ أن ثمة مساعي جادة لإعادة ضبط هذا الملف ضمن أطر مؤسسية أكثر وضوحاً من خلال الحوار الجنوبي الجنوبي، وإن كان الطريق لا يزال طويلاً ويتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف.
ثالثاً: إعادة هيكلة مجلس القيادة.. رهان على التوافق
شكّل مجلس القيادة الرئاسي منذ تأسيسه محاولةً لإعادة رسم خارطة التوافق السياسي بين المكونات المختلفة ومراكز القوى. وإعادة هيكلة هذا المجلس وضبط أدواره ليست ترفاً سياسياً بل ضرورة تمليها متطلبات المرحلة. فالمؤسسة الجماعية القادرة على اتخاذ قرار موحد وتنفيذه بفاعلية هي وحدها القادرة على مواجهة تحديات بهذا الحجم.
والحقيقة أن بناء مؤسسة قيادية متماسكة في ظل تعدد المكونات وتباين المصالح يُعدّ من أصعب التحديات السياسية، ويتطلب مزيجاً من الإرادة والكفاءة والصبر الاستراتيجي. والرهان اليوم على أن يتحول هذا المجلس من إطار للتوافق الشكلي إلى أداة فاعلة لصناعة القرار وتنفيذه.
رابعاً: الشراكة مع المملكة.. ركيزة الاستقرار الإقليمي
لا يمكن قراءة المشهد اليمني بمعزل عن عمق الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، التي تمثل ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي. فاليمن والمملكة تجمعهما مصالح مصيرية مشتركة في مواجهة مشروع التمدد الإيراني، ولا يمكن لليمن أن ينتصر بعيداً عن المملكة.
إن نجاح اليمن في تجاوز أزمته وبناء دولته هو في جوهره نجاح لهذه الشراكة الاستراتيجية، والعكس صحيح تماماً. ولذلك فإن تطوير هذه العلاقة من مستوى التحالف السياسي و الامني إلى شراكة تنموية وسياسية حقيقية يمثل أحد أبرز استحقاقات المرحلة القادمة، وهو رهان تكسبه المملكة واليمن الحر معاً، أو يخسرانه معاً.
خامساً: ما الذي تحتاجه المرحلة القادمة؟
إن الاستقراء الموضوعي للمشهد يقود إلى جملة من الاستنتاجات الجوهرية: أن اليمن يحتاج إلى قيادة تجمع بين الثبات في المواقف الوطنية الكبرى والمرونة في إدارة التعقيدات الداخلية. ويحتاج إلى خطاب سياسي يتجاوز لغة الأزمة إلى لغة بناء الدولة. ويحتاج إلى كفاءات وطنية قادرة على تحويل التوافق السياسي إلى برامج حكومية فاعلة على أرض الواقع.
الرهان اليوم ليس فقط على الصمود في مواجهة التحديات، بل على بناء يمن جديد يستحقه شعب دفع ثمناً باهظاً من دمه وكرامته ولا يزال يدفع. شعب يستحق دولة مؤسسات حقيقية، تحكمه القانون لا السلاح، وتقوده الكفاءة لا المحاصصة.



