مقالات

السعودية تفصل حرب اليمن عن حرب إيران


البعث نيوزـ بقلم / عبدالقادر الجنيد

تلقى الحوثيون، يوم أمس- ضربة جوية في مفرق ماوية- ضواحي تعز، وهذا يدفع لإعادة التأمل في كل الأجواء السياسية والعسكرية المحيطة بهذه الضربة.

السعودية، تبدأ مرحلة جديدة من حياتها ومن حياة اليمن.

لم يعد بإمكان السعودية الركون على الأمريكيين لحمايتها من الحوثيين… والإيرانيين.

ملحوظة:
كنت سأناقش ما سيحدث لليمن اليوم، في موضوع بعنوان “المعالم البارزة ٢٠٢٦”، ولكن الضربة الجوية في مفرق ماوية غير الأولويات.

الموضوع مازال مهما- لنعرف ما لنا وما علينا وما ينتظرنا- ولا بد من نشره.

**
أولا: ضربة جوية في مفرق ماوية
**

١- الأنباء عن الضربة
*
قالت قوات حكومة الشرعية اليمنية أن الضربة قتلت أربعة خبراء إطلاق صواريخ إيرانيين.

قال إعلام الحوثي أن القصف استهدف سوقا شعبية وأن الضحايا مدنيين.

لا توجد مصادر محلية تنبئ عن ضحايا في سوق شعبي.

قالت مصادر في الفضاء المفتوح أن الضرب استهدف معسكر استقبال حوثي كان يجهز مقاتلين توافدوا للتحضير لهجوم كبير على تعز.
وقالت مصادر أخرى أن الضرب أيضا استهدف المؤسسة الاقتصادية العسكرية التي لا تدفع ضرائب ولا جمارك وتنافس في البزنس والأعمال والأسواق وتزاحم في الأرزاق لتمارس التجارة لصالح الحوثي ومجهوده الحربي.

٢- ما تقوله الضربة نفسها
*
حصلت السعودية على معلومة مهمة في مفرق ماوية، إما عن خبراء إطلاق صواريخ إيران أو عن تحشيد الحوثيين لمقاتلين وفدوا من مناطق مختلفة واقعة تحت الاحتلال.
الوقت قصير بين وصول المعلومة، واتخاذ المسؤولين لقرار توجيه الضربة، وسرعة تنفيذ الضربة.

(١) المعلومة:
قد تكون من مصادر استخبارية مندسة على الأرض،
أو قد تكون من صور أقمار اصطناعية بث مباشر من الجو وهذا يعني مشاركة دولة غربية الأرجح أنها بريطانية أو أمريكية.

(٢) الطائرة الحربية:
قد تكون في نوع من الدورية الجوية المنتظمة التي تنتظر أي أمر تقوم بتنفيذه وهذا يستدعي تموين بالوقود من الجو،
أو قد تكون انطلقت من قاعدة جوية قريبة داخل اليمن، العند في لحج أو صلاح الدين في عدن.

**
ثانيا: حربان: إيران واليمن
**
١- هناك أضرار سعودية من الحربين
*
لم تكن المملكة تريد أن تنشب الحرب الأولى من الأصل، وكانت تبذل الجهد ومستعدة لدفع الثمن للخروج من الحرب الثانية.

مازالت السعودية تنأى بنفسها عن حرب إيران، حتى الآن.
ولكن الحوثي وطهران يريدانها أن تطعم الحرب في اليمن.
الحوثي وطهران يتشوقون لأن تتذوق الرياض ما يذوقونه من خراب وبؤس، وأن تدفع لهم فوق كل هذا الإتاوات المنتظمة لسنين قادمة طويلة تحت إسم إعادة الإعمار.

٢- حرب إيران تخص اسرائيل
*
حرب الخليج الحالية، هي في الأساس حرب اسرائيل ضد برنامج النووي إيران.
ولمنع تدخل إيران في لبنان ضد اسرائيل.
ثم أدخلوا منع إيران من انتاج الصواريخ الباليستية حسب رغبة اسرائيل ولكن ترامب تنازل بعدها عن هذا الشرط.
وأحيانا يذكرون بطرف اللسان- بدون اهتمام- عن منع إيران من تسليح وتمويل الحوثي وتزويده بالخبراء.

٣- السعودية تتضرر من حرب أمريكا على إيران
*
نووي وصواريخ إيران، لا تعجب كل الخليجيين ولكن إصابة اقتصادهم بالشلل لا يعجبهم أكثر.

بدلا من أن تحميهم أمريكا من اعتداءات وطموحات إيران، فإنها تسببت بتعرضهم للقصف والتدمير وتوقيف تصدير النفط والغاز وتوقيف السياحة والترانزيت وهروب الاستثمارات وتراجع النمو الاقتصادي وتجميد المشاريع الكبرى.
ثم تحملت إيران الضرب وابتدأت بضرب السعودية.
… وكأن كل هذا لا بكفي، قامت واشنطن بمضايقة الرياض.

٣- أمريكا معها طلبات
*
ابتدأت أمريكا بالتلميح بضرورة دفع السعودية المال لأنها تحميها من خطر إيران.

لا هذا الأسلوب ولا هذه الطلبات تناسب السعودية.

٤- ثم استعملت إيران هرمز
*
أدخلت إيران قفل مضيق هرمز كسلاح ضد أمريكا وضد دول الخليج العربي وضد الاقتصاد العالمي وخنقت النفط والغاز.

أمريكا، قالت أنها لن تحمي السعودية.
والسعودية، ترفض الاستسلام للحوثي.

قررت استلام زمام المبادرة والقيادة في حماية المملكة بنفسها بعد أن كانت تعتمد على مظلة الحماية الأمريكية لمدة ٨١ عام.
أمريكا، هي السبب.
الحوثي، هو السبب.
ما لا بد منه، لا بد منه.
…وهكذا قررت السعودية فصل الحربين.

**
ثالثا: الحوثي يدمج الحربين بقفل باب المندب
**

١- هذا وحده خط أحمر سعودي
*
قام الحوثي بقصف سفن سعودية لمنع نفطها من عبور باب المندب لإتمام خنق النفط السعودي.
وهكذا صح القول بأن العلاقة بين الحوثي وإيران أكثر وأكبر مما يعلن وما يذاع.

٢- صدمة أخرى من أمريكا
*
وهنا ابتدأت الغرابة والعجب.
قال ترامب أن الحوثي يهدد السعودية ولا يهدد أمريكا.
ثم قال أن أزمة اليمن والحوثي هي مشكلة محلية، وأن حلها يجب أن تقوم بها السعودية ودول المنطقة.
وأنه يمكن أن تشترك اسرائيل تحت إدارته بشرط أن تدخل السعودية “اتفاق ابراهام”.

لا هذا الأسلوب ولا هذه الطلبات تناسب السعودية.
إذا أرادت السعودية أن تحمي نفسها فيجب أن تقوم بهذا بنفسها.
ويمكن أن يساعدها عندئذٍ حلفاء.

٣- الحوثي يرفع السقف
*
ثم قام الحوثي بضرب الداخل السعودي والعاصمة الرياض.
الحوثي يضاعف الخطوط الحمراء.

٤- الحوثي يكتسح ما تبقى من الحديدة وتعز
*
هذا إنجاز كبير للحوثي بكل المقاييس.
أنهى جيشا مدججا بالسلاح وأنهى الحياة السياسية والعسكرية لعضو مجلس رئاسة.
واحتل مسلحون حوثيون جزيرة ميون/بريم ومضيق باب المندب.
وشرد الحوثيون ٧٧,٠٠٠ من سكان المنطقة ونهبوا بيوتهم.

٥- تزايد الصدمات على السعودية
*
صدمة استكمال الحوثي لسيطرته على ساحل اليمن على البحر الأحمر وابتلاع كل تهامة ومزيد من الاستيلاء والسيطرة على تعز والتوغل في جبل كهبوب في لحج، ربما هي أم الصدمات.

ربما حتى أن الصدمة على السعوديين أشد وأنكى منها على اليمنيين لأن الشك وربما اليقين قد زاد بأن السعودية ليس بإمكانها أن تعتمد على اليمنيين لحماية أنفسهم وبلادهم… وإبعاد خطر الحوثي وإيران عنها.
اكتسح الحوثيون قوات المخاء المدججة بالسلاح في ٦ أيام.

ولا يهم في هذا الوقت تحديد إن كان العيب منهم أو منها.

٦- تبادل نقاط اللا عودة.
*
الحوثي، هو الذي قرر دخول “نقطة اللا عودة” لاعتقاده أنه يستطيع إجبار السعودية على الاستسلام لشروطه.
هذا لا يناسب السعودية على الإطلاق، فقررت المملكة أيضا دخول “نقطة اللا عودة” مع الحوثية.

٧- السعودية تفصل حرب اليمن عن حرب إيران
*
يمكن لإيران وأمريكا أن تستمرا في لعبة عض الأصابع بشأن من سيتحمل المصاعب الاقتصادية الشعب الإيراني أم الشعب الأمريكي مع تبادل التهديدات بالحرب.
ولكن السعودية قد قررت خوض حرب اليمن… وبنفسها.

**
رابعا: مرحلة جديدة من حياة السعودية: الحرب
**

لا يمكن أن تتوصل السعودية لحل مع الحوثيين.
وسوف تدافع عن نفسها بدون مشاركة أمريكية مباشرة.

كلما حاولت السعودية مراضاة الحوثي، فإنه إما يقوم بمغامرة تمنع تنفيذ ما اتفقوا عليه أو أنه يرفع السقف عاليا بشروط جديدة تعكس ما أنجزه بالمغامرة الجديدة.

ولا أحد يذهب للحرب بدون حلفاء.
وقد استكملت السعودية ما تحتاجه من حلفاء.

١- السعودية تغدق على تعز ولحج بالسلاح والإمكانيات لصد هجوم الحوثي بالإضافة للمساندة بالطيران الحربي.

٢- تشير المعلومات لانخراط كبير لجيش الباكستان في الدفاع البري عن نجران وعسير وجيزان الحدودية التي يهددها الحوثيون بالاختراق.
وبأشياء أخرى من فنون وأدوات الحرب.

٣- وهناك دور لتركيا لكنه غير واضح حتى الآن.

٤- هناك إعلان بريطاني لمشاركة السعودية في الحرب ضد الحوثية عسكريا وبتموين الطائرات الحربية بالوقود في الجو وبتزويد الخبراء في إدارة الحرب.

٥- وهناك خبراء عسكريون من أمريكا داخل الرياض يشاركون في إدارة الحرب.

٦- تقوم فرنسا بحماية ميناء ينبع السعودي ضد هجمات الجو الحوثية.

**
خامسا: كم سيصمد الحوثيون؟
**

الحرب، هي أيضا ذخيرة وسلاح ولوجستيات وتموين وموارد واقتصاد.
وكل هذه قابلة للاستنزاف.
وكل هذه قابلة للضرب.

والحرب، هي أيضا معنويات.
ضربة عسكرية كبيرة واحدة قد تتسبب بانكسارات متتالية للحوثيين.
استعادة ما اكتسبه الحوثي على الأرض في تعز ولحج وتهامة، تكفي لأن تبدأ سلسلة متتابعة من الخسائر في أراضي جديدة.

انتصار المقاتلين في تعز ولحج وتهامة سوف يطلق نفس الشرارة في كل جبهات اليمن.
وتبدأ مرحلة جديدة أيضا في حياة اليمن.

ولكننا نعود ونحذر من إغضاب “الجنرال الزمن”.
الحوثيون، عَرِزُون وعنيدون ويجيدون المماطلة وإطالة الحرب.
والشرعية، بطيئون ويجيدون إضاعة الوقت.

الحرب سلاح وذخيرة، لكنها أيضا زمن.
ومن يغضب الجنرال الزمن يخسر.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!