شهادة ندوى الدوسري أمام الكونغرس… متى تتحول الحقيقة إلى سياسة؟

البعث نيوز ـ بقلم / صفوان سلطان
في الأول من سبتمبر الجاري، وقفت الباحثة اليمنية الأمريكية ندوى الدوسري أمام اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس النواب الأمريكي، لتقدم واحدة من أكثر الشهادات وضوحاً وشجاعة التي سمعها الكونغرس عن اليمن منذ سنوات.
لم تكن شهادة تجميلية ولا خطاباً دبلوماسياً حذراً، بل مرافعة بحثية دقيقة كشفت للمشرع الأمريكي حجم الخطأ التراكمي في قراءة جماعة الحوثي، وحجم الكلفة التي دفعها اليمنيون واستمرت واشنطن نفسها تدفعها بسبب هذا الخطأ.
الدوسري، الزميلة المشاركة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، ليست صوتاً عابراً في هذا الملف.
فهي تحمل أكثر من عشرين عاماً من الخبرة الميدانية المباشرة مع القبائل والمجتمع المدني والسلطات المحلية والجماعات المسلحة في اليمن، وهي خبرة نادراً ما يمتلكها باحث غربي بهذا العمق.
هذا الرصيد الميداني هو ما منح شهادتها ثقلاً استثنائياً، إذ لم تتحدث من مكاتب واشنطن المغلقة، بل من معرفة متراكمة بتفاصيل الأرض اليمنية.
استهانة مكلفة، وتحذير لا يجوز تجاهله
بدأت الدوسري شهادتها بجملة تختصر عقداً كاملاً من الفشل الدولي، حين قالت إن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي استهانا مراراً بالحوثيين، استهانا بأيديولوجيتهم، وبطموحاتهم الإقليمية، وبعمق علاقتهم مع إيران، وبقدرتهم على استيعاب تقنيات عسكرية متطورة. هذا الاعتراف، القادم من قلب المؤسسة البحثية الأمريكية، يمثل تصحيحاً متأخراً لسردية طالما حاولت تصوير الحوثي كحركة احتجاجية محلية بدل جماعة إرهابية مسلحة تحولت إلى ذراع إقليمية متقدمة لمشروع طهران التوسعي.
وما هو أخطر من الاستهانة بالماضي، تحذيرها الصريح من تكرارها في المستقبل. فالجماعة التي بدأت من جبال صعدة أصبحت، وفق شهادتها، تمتلك ترسانة من الصواريخ الباليستية والمجنحة والمضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، والزوارق غير المأهولة، والألغام البحرية، وهي قدرات لم تكن موجودة في اليمن قبل الحرب، وتطورت بفعل استثمار إيراني متواصل ومنظم.
اتفاق ستوكهولم والهدنة، من مكسب إنساني إلى غطاء عسكري
من أكثر ما ورد في الشهادة جرأة وارتباطاً بالنقاش الداخلي اليمني، تقييم الدوسري لاتفاق ستوكهولم عام 2018. فقد أوضحت أن الضغط الدولي أوقف تقدم القوات الشرعية نحو الحديدة بدافع المخاوف الإنسانية، بينما لم تنفذ الجماعة إعادة الانتشار المتفق عليها، واحتفظت بالمدينة وموانئها، وهو ما أتاح لها لاحقاً استخدام هذا الأصل الاستراتيجي في تهديد الملاحة الدولية بالبحر الأحمر.
القراءة نفسها انسحبت على هدنة 2022، حين أعطى انخفاض القتال انطباعاً مضللاً بالاستقرار، بينما واصلت الجماعة التجنيد وتطوير قدراتها الصاروخية والجوية والبحرية، قبل أن تستهدف موانئ تصدير النفط الحكومية، حارمة الحكومة الشرعية من نحو سبعين في المئة من إيراداتها. وهنا اختصرت الدوسري النتيجة بعبارة بالغة الدلالة، إن الوقت لم يجعل الحوثيين أكثر اعتدالاً، بل سمح لهم بأن يصبحوا أقوى.
من جماعة يمنية إلى مركز شبكات إقليمي خطير
الجزء الأكثر أهمية استراتيجياً في الشهادة، هو كشفها تحول الحوثي من مجرد وكيل إيراني تقليدي إلى مركز شبكات إقليمي قائم بذاته. فالجماعة، بحسب الدوسري، تبني شبكات بشرية وأمنية في القرن الأفريقي، وتستقطب مهربين ووسطاء ومصادر معلومات ومقاتلين، مع تقارير عن تعاون متنامٍ مع حركة الشباب الصومالية وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، يشمل التدريب وتبادل الخبرة التقنية في الطائرات المسيّرة والأسلحة.
كما كشفت بيانات اعتراض الشحنات التي استندت إليها أن نحو ستين في المئة من مكونات طائرة قاصف2K مصدرها الصين، مقابل خمسة عشر في المئة فقط من إيران، وهو ما يعني أن المشروع الإيراني في اليمن لم يعد يعمل بمعزل، بل بات مرتبطاً بشبكات توريد صينية وروسية متوسعة تستدعي تحركاً دبلوماسياً أمريكياً موازياً لأي تحرك عسكري.
الأرض هي مصدر النفوذ، لا البحر وحده
انتهت الدوسري إلى الخلاصة الأهم في شهادتها كلها، وهي أن الولايات المتحدة لا يمكنها إنهاء مشكلة الحوثيين بالاعتماد على القوة العسكرية والضربات الجوية وحدها، مهما تكررت أو اشتدت، وأن الدبلوماسية من دون أوراق ضغط حقيقية لن تحلها هي الأخرى.
وحددت أن أهم أوراق الضغط هي الأرض نفسها، ذلك أن سيطرة الحوثي على مناطق واسعة وملايين السكان والموانئ والبنية التحتية تمنحه القدرة على التمويل والتجنيد والتصنيع وإعادة بناء ما تدمره الغارات.
من هنا دعت إلى تمكين اليمنيين أنفسهم من استعادة الأرض، مع دعم أمريكي سياسي واستخباراتي وتدريبي، دون حاجة لقوات أمريكية على الأرض، وبالتنسيق خاصة مع المملكة العربية السعودية، على أن يُربط أي دعم بتحسين القيادة الموحدة والمساءلة والحوكمة داخل مؤسسات الدولة الشرعية.
لماذا يجب أن تتحول هذه الشهادة إلى سردية رسمية
إن ما قدمته ندوى الدوسري ليس مجرد إفادة بحثية عابرة، بل وثيقة سياسية جاهزة للاستثمار في السردية اليمنية الرسمية أمام المجتمع الدولي.
فهي تقدم، بلغة أمريكية مؤسسية ومقبولة في دوائر القرار، كل ما ظلت الحكومة الشرعية والقوى الوطنية تكرره منذ سنوات، أن الحوثي ليس ظاهرة يمنية داخلية، بل مشروع إيراني توسعي يستخدم الأرض اليمنية منصة لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.
وعليه، فإن مسؤولية السلطات الشرعية، تحتم العمل على نقطتين أساسيتين.
الأولى، تبني ما ورد في هذه الشهادة كمرجعية بحثية تدعم سردية الشرعية في كل منبر دولي وإقليمي، من الأمم المتحدة إلى الكونغرس الأمريكي إلى الجامعة العربية.
والثانية، توظيف هذه المعطيات في فضح المشروع الإيراني المتمثل بمليشيا الحوثي الارهابية بكل تفاصيله، من التسليح إلى شبكات التهريب إلى التمدد الإقليمي نحو القرن الأفريقي، بوصفه تهديداً لا يخص اليمن وحده، بل يمس أمن الملاحة الدولية وأمن دول الجوار كافة.
كلمة تقدير
لا يسع المتابع اليمني المنصف إلا أن يسجل عالياً تقديره لندوى الدوسري، على شجاعتها البحثية والأخلاقية في تقديم الحقيقة كما هي، من دون مجاملة سياسية ومن دون الانزلاق نحو الخطاب الذي يساوي بين الضحية والجلاد.
فما قدمته أمام الكونغرس الأمريكي يستحق أن يوثقه كل يمني حر، ويستحق أن يتحول من إفادة أمام لجنة فرعية إلى مرجعية دائمة في كل سردية يمنية قادمة، دفاعاً عن دولة حقيقة، حرة من الوصاية الإيرانية، وقادرة على استعادة أرضها وقرارها الوطني وضمان الامن الاقليمي و الدولي.
إن الشكر لندوى الدوسري ليس مجاملة عابرة، بل اعتراف بأن الحقيقة، حين تُقال بهذا الوضوح أمام صناع القرار في العالم، تصبح هي نفسها أداة نضال، لا تقل أهمية عن أي جهد سياسي أو عسكري آخر في معركة اليمنيين لاستعادة دولتهم.



