الأخبار

تسريبات «وثيقة الاستسلام».. هل يقترب سقوط الانقلاب أم تُطبخ مناورة جديدة لتفخيخ الدولة؟


البعث نيوز ـ تقرير خاص


في تسريبات سياسية وُصفت بأنها من الأكثر إثارة للجدل منذ سنوات الصراع اليمني، تتداول أوساط سياسية وإعلامية معلومات عن مبادرة منسوبة إلى زعيم مليشيا الحوثي عبدالملك الحوثي، تتضمن – بحسب ما يتم تداوله – الاستعداد لتسليم العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة، مقابل حزمة من الشروط الاستثنائية التي أثارت موجة واسعة من التساؤلات والشكوك حول حقيقة المبادرة وأهدافها.


وحتى صدور أي تأكيد رسمي من الأطراف المعنية، تبقى هذه المعلومات في إطار التسريبات غير المؤكدة، إلا أن طبيعة الشروط المنسوبة إلى المبادرة، إن صحت، تضع المشهد اليمني أمام واحد من أكثر السيناريوهات السياسية تعقيداً وخطورة منذ انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة.


أربعة شروط في قلب العاصفة


وفقاً للتسريبات المتداولة، فإن المبادرة تتضمن تسليم صنعاء ومؤسسات الدولة، مقابل أربعة شروط رئيسية:


أولاً: الحصانة المطلقة


منح حصانة قانونية شاملة لعبدالملك الحوثي ونحو 700 من قيادات مليشيا الحوثي، بما يمنع ملاحقتهم أو مساءلتهم قضائياً عن الجرائم والانتهاكات المرتبطة بسنوات الحرب والانقلاب.


ثانياً: امتيازات طائفية وسلالية


يتعلق بمنح ما وصف بـ«وضع خاص» للأقلية الهاشمية تحت عناوين المواطنة والحماية، وهو ما يثير مخاوف سياسية وقانونية من تحويل مبدأ المواطنة المتساوية إلى صيغة امتيازات استثنائية تقوم على الانتماء السلالي.
ثالثاً: «دويلة مران»


ويبرز باعتباره الأخطر من زاوية السيادة الوطنية، إذ يتحدث عن الإبقاء على منطقة مران بمحافظة صعدة تحت سيطرة حصرية ومطلقة لـمليشيا الحوثي، وبوضع خاص يمنع مؤسسات الدولة من ممارسة سلطتها الكاملة فيها.


رابعاً: إجلاء الحلفاء والخبراء الأجانب
يتعلق بتأمين خروج ضباط وعناصر يُقال إنهم يتبعون الحرس الثوري الإيراني وخبراء من حزب الله، مع عائلاتهم، على أن تتحمل الحكومة الشرعية مسؤولية تأمين عملية الإجلاء.


بين إنهاء الانقلاب وإعادة إنتاجه
تفتح هذه التسريبات باباً واسعاً أمام سؤال جوهري: هل تمثل المبادرة، إن صحت، بداية حقيقية لنهاية الانقلاب واستعادة الدولة، أم أنها محاولة سياسية جديدة لإعادة ترتيب موازين القوة بطريقة تضمن لـمليشيا الحوثي الاحتفاظ بجوهر سلطتها ونفوذها؟


فالفرق كبير بين تسليم الدولة للدولة، وبين تسليم المؤسسات مقابل إنشاء كيانات استثنائية داخل الدولة نفسها.


ويرى مراقبون أن أي تسوية لا تقوم على مرجعية دستورية واضحة، وعلى احتكار الدولة للسلاح، وبسط سلطتها على كامل التراب اليمني، قد تتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة تمنح مليشيا الحوثي فرصة لإعادة التموضع.


وتزداد المخاوف عندما يتعلق الأمر بإمكانية تحويل منطقة جغرافية إلى ما يشبه «دويلة داخل الدولة»، تمتلك سلطة مستقلة وسلاحاً خاصاً وقراراً أمنياً منفصلاً عن المؤسسات الوطنية.


مران.. عقدة السيادة الوطنية


تمثل مسألة السيطرة على مران، وفق القراءة السياسية للتسريبات، إحدى أكثر النقاط حساسية.


فالدولة لا يمكن أن تستعيد معناها الحقيقي إذا كانت هناك مناطق يمنية خارج نطاق سلطتها ودستورها وقوانينها.

كما أن أي استثناء جغرافي أو سياسي يمنح مليشيا مسلحة حق الاحتفاظ بمنطقة مغلقة أمام مؤسسات الدولة، يفتح الباب أمام نموذج خطير قد يتكرر في مناطق أخرى.


السؤال هنا لا يتعلق بمنطقة بعينها فقط، بل بمبدأ أساسي: هل ستعود الدولة بكامل سلطتها، أم ستعود مؤسسات شكلية فيما تبقى القوة والسلاح والقرار الحقيقي في يد المليشيا؟


الحصانة.. سلام أم إفلات من المساءلة؟


أما شرط الحصانة الشاملة، إن صح، فإنه يضع ملف العدالة أمام اختبار بالغ الصعوبة.


فاليمن شهد خلال سنوات الصراع آلاف الانتهاكات والضحايا، وملفات واسعة تتعلق بالقتل والاختطاف والإخفاء القسري والتفجير وتدمير المؤسسات والاعتداء على الممتلكات.


ولهذا فإن منح حصانة جماعية واسعة لقيادات مليشيا الحوثي يطرح تساؤلات حول حدود أي تسوية سياسية، وما إذا كانت المصالحة الوطنية يمكن أن تتحول إلى غطاء لإغلاق ملفات العدالة دون معالجة حقوق الضحايا.


وتبقى المصالحة الوطنية الحقيقية مختلفة عن الإفلات الكامل من المساءلة، إذ إن بناء سلام دائم يحتاج إلى حلول سياسية، لكنه يحتاج أيضاً إلى عدالة وضمانات تمنع تكرار التجربة.


الشارع أمام مفترق طرق


في ظل غياب موقف رسمي معلن يؤكد صحة هذه التسريبات أو ينفيها، تصاعدت حالة الجدل في الأوساط اليمنية، خصوصاً مع الحديث عن أن الحكومة الشرعية ما تزال تدرس المبادرة ولم تتخذ قراراً نهائياً بشأنها.
وهنا يبرز سؤال الشارع اليمني بوضوح: كيف يمكن التعامل مع أي مبادرة تتضمن شروطاً تمس السيادة ووحدة الدولة؟


وهل المطلوب إنهاء الانقلاب فعلاً، أم الوصول إلى تسوية تمنح مليشيا الحوثي فرصة الاحتفاظ بقواعد نفوذها تحت مسميات جديدة؟


إن استعادة صنعاء لا ينبغي أن تكون مجرد رفع علم الدولة فوق المباني الحكومية، بينما تبقى القوة والسلاح والقرار الأمني خارج إطار المؤسسات الشرعية.


القرار لا يحتمل المراوغة
اليمن اليوم بحاجة إلى موقف سياسي واضح وحاسم، لا إلى تسويات غامضة قد تؤجل الأزمة وتعيد إنتاجها بصورة أكثر تعقيداً.


فأي اتفاق لإنهاء الحرب ينبغي أن يستند إلى مبادئ لا تقبل التجزئة: وحدة اليمن، وسيادة الدولة، واحتكارها للسلاح، وسريان الدستور والقانون على جميع المناطق والمواطنين دون استثناء.


أما منح مليشيا الحوثي حصانة مطلقة، أو الإقرار بكيان خاص خارج سلطة الدولة، أو تحويل أجزاء من اليمن إلى مناطق مغلقة، فإن ذلك لن يمثل استعادة للدولة، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من الصراع.


وبينما تبقى هذه المعلومات في إطار التسريبات التي تحتاج إلى تأكيد رسمي ومصادر موثوقة، فإن الرسالة التي يفرضها الجدل الدائر واضحة:
لا يمكن أن يكون ثمن استعادة صنعاء هو التخلي عن جزء من السيادة الوطنية.


فالدولة إما أن تعود دولةً واحدةً لكل اليمنيين، بقانون واحد وسلاح واحد وسلطة واحدة، أو أن البلاد ستظل تدور في دائرة المناورات والاتفاقات المؤقتة.


وفي لحظة تاريخية بهذا الحجم، لا مكان للرمادية ولا للمساومات التي تفخخ المستقبل؛ فالقرار يحتاج إلى حسم، والسيادة اليمنية تحتاج إلى يدٍ ثابتة لا ترتجف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!