اقتصاد

البنك المركزي في عدن.. رقابة ذكية تحاصر محاولات الالتفاف وتواجه ردة الفعل..

البعث نيوز ـ حمدي محمد

لم تعد حماية القطاع المالي اليمني تقتصر على قرارات الإيقاف وملاحقة المخالفات بعد وقوعها، بل تحولت إلى سباق متواصل بين الرقابة المالية ومحاولات الالتفاف عليها، خصوصًا مع سعي شركات وأفراد سبق تصنيفهم أو إيقاف أنشطتهم إلى البحث عن مسارات وواجهات بديلة لإعادة تحريك الأموال خارج القنوات الرسمية.

وفي قلب هذا السباق، يبرز البنك المركزي اليمني في عدن، الذي طورت قيادته أدوات الرقابة والمتابعة، وانتقلت تدريجيًا من الرقابة التقليدية إلى آليات أكثر ذكاءً تعتمد على جمع المعلومات وتحليلها وربطها بحركة الأموال والأنشطة التجارية والمالية.

ويعزز هذا الدور ما حققه البنك المركزي في الآونة الأخيرة من ترسيخ لحاكميته على حركة التحويلات المالية الرسمية من وإلى اليمن، إلى جانب إجراءات نقل البنوك إلى عدن، بما أتاح له نطاقًا أوسع من المتابعة والرقابة على التدفقات المالية الرسمية، ورفع قدرته على رصد التحركات غير الطبيعية والتعامل معها في إطار أكثر إحكامًا وتنظيمًا.

«العالمية إكسبريس».. العقوبات لا تعني نهاية النشاط

ويعيد إدراج شركة العالمية إكسبريس للصرافة والتحويلات المالية تسليط الضوء على تحدٍ أوسع: ماذا يحدث بعد إيقاف شركة أو إدراجها على قوائم العقوبات؟
فالعقوبات قد تقيد نشاط الشركة وتقطع عنها قنوات مالية دولية، لكنها لا تمنع بالضرورة محاولات إعادة التموضع، خصوصًا عبر تغيير الواجهات أو طبيعة النشاط والبحث عن طرق جديدة لتوفير السيولة أو تسوية المدفوعات.

وكان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية OFAC قد أدرج الشركة ضمن قائمة المواطنين المصنفين خصيصًا والأشخاص المحظورين SDN، في إطار عقوبات مرتبطة بشبكات قالت واشنطن إنها تعمل على تسهيل تدفقات مالية لصالح مليشيا الحوثي.

ومن هنا، فإن الرقابة لا تتوقف عند قرار التصنيف أو الإيقاف، بل تمتد إلى مراقبة ما بعد الإجراء ورصد تحركات الأشخاص والكيانات المرتبطة بها، والتأكد من عدم انتقال النشاط إلى شركات أو واجهات أخرى.

«إنشاء البدائل».. إعادة إنتاج النشاط عبر كيانات جديدة

وتشير نتائج الرصد والتحقيقات الأخيرة، بحسب المعطيات المتاحة، إلى أن بعض الشبكات المرتبطة بالجهات المصنفة قد تتبع استراتيجية «إنشاء البدائل»، عبر تأسيس شركات صرافة واستيراد جديدة بأسماء وواجهات تجارية مختلفة، للحفاظ على بعض الأدوار المالية التي كانت تؤديها شركات طالتها العقوبات أو الرقابة.

وتضع هذه المعطيات أسماء وشخصيات مرتبطة بالشبكة، من بينها سعيد الجمل ووسطاء منسوبون إليه، مثل عبده عبدالله دائل، ضمن دائرة الرصد والمتابعة، مع مؤشرات تتحدث عن إعادة توزيع النشاط عبر كيانات وشخصيات تجارية أقل ظهورًا، بدلًا من العودة المباشرة إلى الكيانات المصنفة.

وقد تمتد هذه الاستراتيجية إلى إعادة توزيع ملكية بعض الأصول وتغيير مسارات تدفقات الحوالات تدريجيًا باتجاه شركات أو مؤسسات حليفة، في محاولة لإخفاء الصلة بين النشاط المستمر والكيان الأصلي الخاضع للعقوبات أو الرقابة.

لذلك تصبح متابعة الاسم التجاري وحده غير كافية، وتكتسب العلاقات بين المالكين والمديرين والمستفيدين الحقيقيين، وأنماط التحويل، وحركة الأصول والسيولة والروابط بين الشركات أهمية أكبر.

توفير السيولة.. مسار آخر لمحاولات الالتفاف

ومن ضمن الأنشطة محل الرصد توفير السيولة للنظام المالي غير الرسمي، عبر امتصاص وتوفير النقد الأجنبي، ولا سيما الدولار والريال السعودي، بما قد يدعم عمليات المضاربة بالعملة وإدارة معروض السيولة خارج القنوات الرسمية.

وبحسب المعطيات محل الرصد، قد تخدم هذه العمليات الهياكل المالية التابعة لمليشيا الحوثي، من خلال توفير قنوات بديلة للحركة النقدية والتسوية المالية، خصوصًا عندما يجري تنفيذها عبر كيانات جديدة أو أطراف لا تظهر صلتها المباشرة بالشبكة الأصلية.

البنك المركزي.. كشف ردة الفعل قبل تحولها إلى نشاط فاعل

في مواجهة هذه التحركات، استطاعت قيادة البنك المركزي في عدن، في كثير من الأوقات والحالات، كشف ردة الفعل المخالفة والتعامل معها مبكرًا، مستفيدة من تطوير منظومة الرقابة وتفعيل أدوات جمع المعلومات بصورة أكثر حداثة وفاعلية.

وتبرز هنا أهمية وحدة جمع المعلومات في البنك المركزي، عبر جمع البيانات ذات الصلة بالعمليات المالية، وتحليل المؤشرات والأنماط، وربط المعطيات التي قد تبدو منفصلة، بما يساعد على اكتشاف التحركات غير الطبيعية.

وبفضل هذه الآلية، لم تستطع العناصر والكيانات والشركات محل الرقابة، حتى اليوم، التحرك بصورة فاعلة ومستقرة لإعادة إنتاج نشاطها السابق، وهو ما يعكس أثر المتابعة المستمرة والرقابة الذكية التي ينفذها البنك المركزي.

فالرقابة الفاعلة لا تقاس فقط بعدد قرارات الإيقاف، وإنما بقدرتها على إغلاق المسارات التي يمكن أن تعيد من خلالها الجهات المستهدفة نشاطها.
من رد الفعل إلى الاستباق

وتظهر أهمية هذه المنظومة في انتقال البنك المركزي تدريجيًا من رد الفعل إلى العمل الاستباقي؛ فلا ينتظر وقوع المخالفة فقط، بل يحاول قراءة المؤشرات ورصد التحركات التي قد تقود إليها.

وتواصل قيادة البنك تطوير أدوات الرقابة وجمع المعلومات والتحليل المالي، بما يعزز قدرتها على كشف التلاعب والمضاربة ومحاولات الالتفاف، ويحافظ على سلامة النظام المالي ويحمي الاقتصاد.

السؤال المقبل.. هل تستمر الكفاءة وتتطور؟
لكن نجاح منظومة الرقابة يفتح سؤالًا أكثر أهمية:

هل ستستمر هذه الكفاءة، وهل ستتطور أدواتها بالسرعة الكافية لمواكبة التحديات الجديدة وردة فعل الشركات والعناصر المستهدفة؟
فالمواجهة ليست معركة تنتهي بقرار إيقاف أو تصنيف، وإنما نطاح متواصل بين منظومة رقابية تطور أدواتها، وجهات تبحث عن طرق جديدة للالتفاف عليها.

وكلما تطورت أدوات الالتفاف، يصبح لزامًا على البنك المركزي مواصلة تحديث وحدة جمع المعلومات والتحليل المالي وأدوات الرصد وربط البيانات، بحيث لا تكتفي المنظومة بكشف المخالفة، بل تستشرف مسارها قبل وقوعها.

حماية الاقتصاد.. المعركة الأوسع
وفي المحصلة، فإن ما حققه البنك المركزي في عدن يتجاوز ضبط شركات أو أفراد بعينهم؛ إذ يرتبط بحماية الاقتصاد وسلامة السوق النقدية ومنع استغلال القنوات المالية في المضاربة والتلاعب أو تمرير الأموال خارج الأطر القانونية.

وقد أثبتت التجربة أن الرقابة الذكية وجمع المعلومات والتحليل المبكر أكثر تأثيرًا من الرقابة التي تنتظر المخالفة حتى تقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!