أقصر الطرق .. الإستقامة إلى الله

البعث نيوز ـ أمين الحاج
يقف الإنسان حائراً بين يدي الحقيقة، تائهاً بين دروبٍ رسمها لنفسه ومسالك اخترعها لغيره. يظن أن الوصول إلى النور يحتاج خرائط معقدة ومفاتيح سرية، وينسى أن الشمس لا تحتاج دليلاً ليراها المبصر. فكم من قلبٍ أضناه البحث عن الله في متاهات البشر، وغفل أن الله أقرب إليه من نبضه. وكم من روحٍ أثقلتها الأوهام، فحجبتها عن النبع الصافي وهي على ضفافه. إن أعظم مآسي العقل البشري أنه يصنع التيه بيديه، ثم يشكو طول الطريق. وهنا تبدأ الحكاية: حكاية الإنسان مع الاستقامة، ومع الخط المستقيم الذي يأباه.
قاعدةٌ تُدرّس في أول أبواب الهندسة: “أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم”.
قاعدةٌ رياضيةٌ في ظاهرها، إنسانيةٌ في جوهرها. فمتى اتضحت الغاية، استقام السبيل إليها بلا اعوجاج.
لكن المفارقة أن الإنسان ـ خاصةً في تجربته مع المطلق ـ يأبى الاستقامة. يرسم لنفسه سُبلاً ملتوية، ويصنع حواجز موهومة، كأن فطرته لا تطمئن إلى اليُسر ولا تألف الوضوح.
وتتجلى هذه المفارقة في أسمى العلائق: علاقة العبد بربه.
ففي قلب الوحي، تشرق آيةٌ تختزل الحقيقة الكبرى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.
كلماتٌ معدودات، لكنها تهدم جُدُر الوهم وتُسقط حُجب المسافات. تُعلن أن الصلة بالله ليست رحلةً مضنيةً ولا معراجاً معقّداً، بل قربٌ مطلق، مباشر، أقرب إلى المرء من نفسه التي بين جنبيه.
ومع هذا البيان الإلهي المحكم، ظلّ الإنسان عبر التاريخ يخترع الوسائط ويبتدع الطبقات. يتوهم أن القرب إلى الله لا يُنال إلا عبر أختامٍ بشرية، ومقاماتٍ موهومة، وسُلّمٍ كهنوتيٍّ يصعده درجةً درجة. كأن الخط المستقيم لا يكفي، وكأن البساطة تفضح عجزه.
لماذا؟ لأن النفس تخاف العراء. تخشى المواجهة. فالطريق المباشر إلى الله يضعك وحدك أمام مسؤوليتك الكاملة: لا كاهن يحمل عنك، ولا شيخ يزكّيك، ولا سيّد يشفع لك ابتداءً. هي سجدةٌ صادقة، ودعوةٌ خاشعة، وقلبٌ منيب.. وهذا أثقل على النفس من ألف طقسٍ ووسيط.
فشتّان بين الإرشاد والاحتكار.
المرشد الصادق يقول لك: الطريق إلى الله مفتوحٌ للخلق كافة، وهذه معالمه. أما المحتكر فيوهمك أن الباب لا يُفتح إلا بمفتاحه، وأن الله لا يسمع إلا من خلاله. فالأول يدلك على الله، والثاني يحجبك عنه.
إن أعظم ثورات التوحيد أنها أسقطت الأصنام البشرية قبل الحجرية. حررت الإنسان من عبودية الإنسان، وأقامت صلته بربه على أصل الفطرة: دعاءٌ بلا واسطة، وتوبةٌ بلا كاهن، ومسؤوليةٌ بلا تفويض.
فارجع أيها الإنسان إلى فطرتك الأولى. مزّق الحُجُب التي نسجتها يداك، واهدم الجدران التي بناها وهمك. إن الله لم يغلق بابه، ولم يجعل بينك وبينه ترجماناً. ما عليك إلا أن تستقيم. أن ترفع كفيك في عتمة ليلك، وتقول “يا رب” بصدق العاجز المحتاج. ستجده عند أول حرفٍ من دعائك، أقرب مما تظن. فلا تبحث عنه في قصور المتسلطين على الأرواح، ولا تطلبه عند من نصب نفسه بوابةً للسماء. اطلبه حيث أمرك: في قلبك. وما ضلّ من ضلّ إلا حين استبدل الواضح بالغامض، والمستقيم بالمعوج. ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. فاختر: إما خطٌ مستقيم إلى الله، أو تيهٌ في دروب البشر.


