الأخبار

اليمن يعيد رسم بوصلته الاقتصادية: موانئ جديدة على خطى العراق في محاولة واضحة لاستعادة القرار الاقتصادي من قبضة الميليشيات

عدن

في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تسعى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى تعزيز مكانة البلاد على خريطة التجارة الدولية عبر استحداث موانئ جديدة على سواحل بحر العرب والمحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتوازي مع توسعة ميناء عدن. وتأتي هذه التحركات ضمن توجه أوسع لإعادة بناء الاقتصاد الوطني بعيداً عن الهيمنة الإقليمية، وعلى خطى دول عربية مثل العراق التي بدأت بالفعل مسار فك الارتباط التدريجي مع النفوذ الإيراني.

هذا التوجه لا يقتصر على تطوير البنية التحتية، بل يعكس محاولة واضحة لاستعادة القرار الاقتصادي اليمني من قبضة الميليشيات، وعلى رأسها الحوثيون الذين أثبتت السنوات الماضية أن ولاءهم يتجاوز حدود الدولة اليمنية، ويتماهى مع أجندات خارجية، ما ساهم في تدمير الاقتصاد وتعطيل الموانئ الحيوية وتحويلها إلى أدوات صراع بدلاً من كونها بوابات للتنمية.

وزير النقل اليمني محسن العمري أكد أن مشاريع تطوير الموانئ، وعلى رأسها توسعة مداخل ميناء عدن، تمثل خطوة استراتيجية لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري وتعزيز القدرة التشغيلية للموانئ، بما يمكن اليمن من استعادة دوره التاريخي كمركز تجاري إقليمي. وأشار إلى أن المشروع، الذي واجه تعثراً في السابق، عاد إلى الواجهة بتوجيهات حكومية لتسريع تنفيذه نظراً لأهميته الاقتصادية.

كما تشمل الخطة الحكومية إنشاء موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى، في إطار رؤية متكاملة تهدف إلى تنويع المنافذ البحرية وتقليل الاعتماد على نقاط محددة كانت عرضة للتعطيل خلال السنوات الماضية بسبب الصراع، خاصة في ظل سيطرة الحوثيين على أجزاء من الساحل.

ويرى مراقبون أن هذه المشاريع تمثل محاولة يمنية لإعادة التموضع ضمن محيطها العربي، وتعزيز التعاون التجاري مع دول الجوار، بعيداً عن سياسات العزل والتبعية التي فرضتها الميليشيات المسلحة. فكما اتجه العراق مؤخراً إلى مشاريع إقليمية لتأمين منافذ بديلة وتخفيف الاعتماد على إيران، تسير اليمن اليوم في اتجاه مشابه يهدف إلى استعادة استقلاله الاقتصادي.

من جانبه، أوضح رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه أن مشروع تطوير مداخل الميناء سيحدث نقلة نوعية في كفاءة التشغيل، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتقليل زمن بقاء السفن، ما ينعكس مباشرة على خفض تكاليف الشحن وزيادة القدرة التنافسية للميناء على المستوى الإقليمي.

كما تتضمن المشاريع تطوير أرصفة الشحن والمناولة، وتحديث البنية التحتية بما يتناسب مع متطلبات التجارة العالمية الحديثة، إلى جانب تقديم تسهيلات أكبر للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يعزز الإيرادات الوطنية ويدعم الاقتصاد المحلي.

وفي السياق نفسه، تعمل وزارة النقل على استئناف مشاريع موانئ استراتيجية مثل «بروم» في حضرموت و«قرمة» في سقطرى و«قنا» في شبوة، إضافة إلى توسعة ميناء المكلا، ضمن خطة شاملة تهدف إلى تحويل السواحل اليمنية إلى شبكة موانئ متكاملة قادرة على استيعاب النمو المتوقع في حركة التجارة.

هذه الخطوات تعكس تحولاً في التفكير الاستراتيجي داخل الحكومة اليمنية، يقوم على إعادة بناء الدولة ومؤسساتها الاقتصادية بعيداً عن النفوذ الخارجي، وخاصة الإيراني، الذي ارتبط اسمه في اليمن بتعزيز نفوذ الحوثيين وإضعاف مؤسسات الدولة.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو مشاريع الموانئ أكثر من مجرد استثمارات اقتصادية؛ فهي تمثل محاولة لإعادة تعريف دور اليمن في المنطقة، والانتقال من ساحة صراع إلى شريك فاعل في التجارة الإقليمية والدولية، واستعادة السيادة الاقتصادية التي تآكلت خلال سنوات الحرب.

وبينما يواصل الحوثيون تعطيل مسارات التنمية وربط اليمن بأجندات خارجية، تسعى الحكومة إلى فتح أبواب جديدة نحو الاستقرار والنمو، مستلهمة تجارب عربية بدأت بالفعل في فك الارتباط مع النفوذ الإيراني، والسير نحو استقلال اقتصادي يعيد للدولة قرارها وسيادتها.

المصدر: وكالات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!