الحرب تطيح حلم السودان بصدارة إنتاج السكر إقليميا

السودان

تشير المؤشرات الراهنة إلى دخول قطاع إنتاج السكر في السودان مرحلة حرجة، في ظل تداخل عوامل اقتصادية ومالية وأمنية تهدد بانهيار سلسلة القيمة المرتبطة بهذه الصناعة الاستراتيجية. ويأتي ذلك ضمن بيئة مضطربة تتسم بشح التمويل، وارتفاع كلف الإنتاج، وتعطل سلاسل الإمداد، مما يضع ضغوطاً متزايدة على قدرة القطاع على الاستمرار والإسهام في الأمن الغذائي.
وفي هذا السياق، دقت النقابة العامة لعمال صناعة السكر ناقوس الخطر، من تداعيات التعثر الحاد في التمويل ونقص مدخلات الإنتاج الأساسية، بما في ذلك الوقود وقطع الغيار والأسمدة، الأمر الذي انعكس في تراجع ملحوظ في معدلات التشغيل والإنتاج. كذلك فاقمت الحرب من تعقيد المشهد، بعد أن ألحقت أضراراً مباشرة بالبنية التحتية الصناعية والزراعية، وتسببت في نزوح العمالة وتعطيل المواسم الزراعية.
وشهدت مصانع رئيسة، وعلى رأسها الجنيد وسنار، عمليات تخريب ونهب واسعة خلال انتشار قوات “الدعم السريع” في الولايات المنتجة، طاولت الأصول الإنتاجية والمخازن والمواد الخام، مما أدى إلى خروج هذه المنشآت من دائرة الإنتاج بالكامل.
ويمتد أثر هذا التدهور إلى عمق الاقتصاد السوداني، إذ يسهم تقلص الإنتاج المحلي في توسيع الفجوة بين العرض والطلب، ويعزز الاعتماد على الواردات في ظل شح النقد الأجنبي، مما يزيد الضغوط على سعر الصرف ويغذي التضخم. وفي الوقت ذاته، تواجه سلاسل الإمداد اختناقات متزايدة من الزراعة حتى التوزيع، نتيجة تعطل البنية اللوجيستية وارتفاع كلف التشغيل، بما ينعكس على استقرار السوق.
كذلك يشكل تراجع إنتاج السكر عاملاً مضاعفاً لاختلالات القطاع الزراعي، مع فقدان مساحات إنتاجية وتراجع الاستثمارات في المحاصيل النقدية، مما يحد من توليد الإيرادات وفرص العمل. ويتزامن ذلك مع استمرار نزيف الكفاءات البشرية نتيجة النزوح وتآكل الخبرات الفنية، مما يضعف فرص التعافي.
وفي موازاة ذلك، تتزايد الضغوط الاجتماعية مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلف المعيشة، إذ يتحول السكر إلى عبء إضافي على موازنات الأسر، خصوصاً الأكثر هشاشة. كذلك يغذي اضطراب الإمدادات أنماط السوق غير الرسمية، بما في ذلك المضاربات والتخزين، مما يزيد من التقلبات السعرية ويقوض استقرار التسعير، في ظل تصاعد حال عدم اليقين وتراجع ثقة المستثمرين وتقلص فرص التمويل.

تدهور متسارع
في مذكرة رسمية رفعتها لجنة قطاع السكر التابعة للنقابة العامة لعمال صناعة السكر إلى مجلس السيادة ورئيس الوزراء ووزيري المالية والصناعة، تم التأكيد على أن القطاع يواجه “أخطاراً حقيقية تهدد بانهياره”، مع الإشارة إلى غياب التمويل اللازم وندرة مدخلات الإنتاج، إلى جانب الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناتجة من النزاع المسلح. وطالبت المذكرة بتدخل عاجل لإعادة تشغيل المصانع قبل انطلاق الموسم الزراعي خلال أسابيع، محذرة من أن أي تأخير إضافي سيقود إلى فقدان الموسم بالكامل.
وبحسب الأرقام الواردة في المذكرة، فإن تأخر عمليات الزراعة أدى إلى خروج نحو 4000 فدان (16.8 كيلومتر مربع)، من دائرة الإنتاج هذا الموسم، بينها 2500 فدان (10.5 كيلومتر مربع) في مشروع حلفا و1500 فدان (6.3 كيلومتر مربع) في مصنع عسلاية، مما يعكس تراجعاً ملموساً في المساحات المزروعة، ويهدد بانخفاض كبير في حجم الإنتاج الكلي للسكر إذا استمر التعثر حتى منتصف مايو (أيار) المقبل، وهو الموعد الحرج لزراعة التقاوي.
وتشير اللجنة إلى أن العاملين في القطاع يواصلون أداء مهامهم على رغم الظروف القاسية، إلا أن أوضاعهم المعيشية شهدت تدهوراً حاداً، إذ تتراوح الدخول بين سلفات شهرية لا تتجاوز 146 ألف جنيه سوداني (210 دولارات)، وصولاً إلى أقل من 30 ألف جنيه (43 دولاراً) لفئات أخرى، في ظل فقدان الأجور لقيمتها الحقيقية نتيجة معدلات التضخم المرتفعة وتدهور العملة المحلية.
وشددت المذكرة على أن إعادة تشغيل المصانع تمثل أولوية اقتصادية واجتماعية، ليس فقط لضمان استمرارية الإنتاج، بل أيضاً لإعادة تنشيط المجتمعات المرتبطة بهذه المشاريع وتهيئة الظروف لعودة النازحين. وطالبت بتوفير تمويل عاجل يشمل الوقود والأسمدة والمبيدات ومدخلات الإنتاج الأساسية، محذرة من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى انهيار كامل للقطاع.
وفي سياق متصل، وجّه وزير المالية جبريل إبراهيم الجهات المختصة إلى وضع معالجات عاجلة لمشكلات الصادرات والواردات، مؤكداً أهمية تأمين مدخلات الإنتاج الزراعي ودعم الصناعات التحويلية، في إطار مساعٍ لاحتواء التدهور الاقتصادي المتسارع.
نقص الإمدادات
يمثل قطاع السكر في السودان أحد أكثر القطاعات الصناعية تعقيداً من حيث التشكل التاريخي وتداخل الاعتبارات الاقتصادية والسياسية، إذ ظل مرتبطاً بتقلبات الأمن الغذائي وسلاسل الاستيراد منذ العقود الماضية. وخلال فترات متعددة من التاريخ الحديث، برز السكر كسلعة حساسة ترتبط بتقلبات الأسعار والأزمات المعيشية، إذ لجأ السودانيون في بعض موجات الندرة خلال العقود السابقة إلى بدائل تقليدية مثل التمر لتعويض نقص الإمدادات، في مؤشر على هشاشة منظومة الإمداد الغذائي في فترات الأزمات.
وخلال عهد الرئيس السابق عمر البشير (1989– 2019)، اكتسب قطاع السكر موقعاً محورياً ضمن السياسات الصناعية، مع توسع كبير في المشاريع الإنتاجية، غير أن هذا التوسع ارتبط بتمركز ملكيات وتشغيل عدد من المشروعات الكبرى داخل شبكات اقتصادية محسوبة على “الإسلاميين”، وفق ما أوردته تقارير اقتصادية وتحليلية متعددة في تلك الفترة، والتي أشارت إلى تداخل النفوذ السياسي مع إدارة سلاسل الإنتاج والتوزيع.
منى عبدالفتاح/اندبندنت عربية



