حين يتصارع الكبار يدفع الصغار الثمن

البعث نيوز ـ بقلم صفوان سلطان
ليست المرة الأولى التي يجلس فيها العالم على حافة حرب كبرى، ثم يتبين في النهاية أن الذين دفعوا الثمن ليسوا من أشعلوها. وما يجري اليوم بين واشنطن وطهران ليس استثناء من هذه القاعدة، بل هو نسخة جديدة منها أشد وطأة وأوضح دلالة لمن يريد أن يرى.
اليمن في قلب هذا المشهد، لا هامشا على أطرافه. وهذا ما يوجب علينا قراءة ما يجري بعقل من يعرف أن ما يحسم بعيدا سيعاش قريبا.
إيران حين يدفع الآخرون ثمن حروبها
منذ عقود اختارت إيران طريقا واحدا للقوة يتمثل في القتال خارج حدودها بأيدي غيرها. بنت شبكة من الجماعات المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن والبحرين، وسمت هذا محور المقاومة، ليصدق عليها العالم أنها قوة إقليمية يصعب كسرها. لكن حين جاء اختبار الحرب الحقيقية في فبراير 2026 انكشف الوجه الآخر لهذه المعادلة بوضوح مؤلم.
إيران التي كانت تهدد بإحراق المنطقة وجدت نفسها في أسابيع قليلة تخسر قيادتها العليا وقادة جيشها وجزءا كبيرا من منظومتها العسكرية. اقتصادها الذي كان مثقلا قبل الحرب تحول إلى عبء لا يحتمل. عملتها انهارت وأسواقها تراجعت وشعبها الذي عانى طويلا وجد نفسه يدفع فاتورة حروب لم يخترها.
والأدهى أن الجماعات التي رعتها إيران لسنوات لم تستطع في لحظة الحسم أن تقدم لها ما وعدت به. حزب الله خرج من هذه الحرب أكثر ضعفا. الحوثيون اختاروا الصمت الحذر لحساباتهم الخاصة. ونصف جبهات (المقاومة ) لم تتحرك حين احتاجت طهران لمن يتحرك.
هذه هي الحقيقة التي لا تقولها إيران بصوت عال. إنها وظفت شعوب المنطقة وقودا لمشروعها، وحين جاء يوم الحساب تحملت وحدها جزءا كبيرا من الثمن فيما ظلت الشعوب الموظفة تعاني تداعيات حروب لم تجن منها شيئا.
اليمن مثال صارخ على هذه المعادلة. ما قدمته إيران للحوثيين من سلاح ودعم لم يكن مشروع تحرير ولا نهضة وطنية، بل كان استثمارا في أداة ضغط إقليمية يمكن توظيفها متى دعت الحاجة. واليمن كان هو الأرض التي تدفع فيها الأثمان، والشعب اليمني هو من يرزح تحت تبعاتها.
أمريكا صديق يحسب قبل أن يحمي
الصداقة الأمريكية مع حلفائها في المنطقة معروفة الأنماط لمن يتأملها جيدا. واشنطن شريك استراتيجي لا ينكر دوره، لكنه شريك يضع مصالحه في المقام الأول دائما، ويعيد حساباته حين تتغير المعطيات دون أن يستشير أحدا ممن بنوا سياساتهم على توقعاتهم من تلك الشراكة.
ما شهدناه في هذه الحرب يؤكد هذه الحقيقة مرة أخرى. أمريكا التي شنت ضرباتها على إيران قبلت هدنة بعد أسابيع حين وجدت أن الكلفة العسكرية والاقتصادية بدأت تثقل كاهلها. الجيش الأمريكي الذي أطلق مئات الصواريخ واجه بعد أسابيع قليلة تحذيرات من نفاد مخزونه الاستراتيجي بمعدل يفوق قدرة التصنيع على تعويضه. وأسعار الوقود في الداخل الأمريكي حين بدأت ترتفع أصبحت معادلة الحرب تقاس بالمقاعد الانتخابية لا بالمبادئ.
هذه ليست إدانة بل وصف دقيق لطبيعة العلاقة. كل دولة تضع مصالحها أولا وهذا حق طبيعي. الخطأ أن يبني الطرف الآخر كل حساباته على أن الصديق القوي سيبقى حتى النهاية بصرف النظر عن كلفته.
في الملف اليمني رأينا هذه المعادلة تتكرر. أمريكا التي دعمت الشرعية ( خطابياً ) ضد الحوثيين لسنوات هي ذاتها التي توصلت إلى هدنة مع إيران دون أن يكون لليمن الرسمي ذكر حقيقي في غرفة المفاوضات. وأمريكا التي تدعم الشرعية اليمنية خطابيا هي ذاتها التي قد تقبل في نهاية المطاف بترتيب إقليمي يضمن مصالحها النفطية والأمنية دون أن يكون هذا الترتيب بالضرورة ما يتمناه اليمنيون.
ليس هذا موقفا معاديا لأمريكا بل هو دعوة لقراءة الشراكة بواقعية لا بعواطف. الشريك القوي لا غنى عنه لكن التعويل الكامل عليه دون امتلاك أوراق ضغط ذاتية هو رهان خاسر في كل زمان.
اليمن في عين العاصفة
في خضم هذا الصراع الكبير كان اليمن حاضرا بأكثر مما يدرك كثيرون وغائبا في الوقت ذاته عن صنع مصيره.
حاضرا لأن الجغرافيا اليمنية كانت ورقة مؤثرة في المعادلة الإقليمية طوال أشهر الحرب. مضيق باب المندب الذي يشرف عليه اليمن بات مركز اهتمام دولي حقيقي. الملف اليمني أصبح جزءا لا ينفصل عن أي حديث عن استقرار البحر الأحمر وأمن الملاحة وإمدادات الطاقة إلى العالم.
وغائبا لأن القرارات الكبرى التي تشكل مستقبل المنطقة تتخذ في إسلام آباد وصوت اليمن الرسمي لا يسمع بالقوة والوضوح الذي تستحقه ضرورة الحضور.
الدرس الأكبر الذي يجب استخلاصه أن اليمن لن يعاد بناؤه بقرار دولي فقط ولن تمنح الشرعية اليمنية مقعدا لم تسع إليه ولن يصاغ مستقبل البلاد على يد من لا يعيشون تداعياته.
إلى أين يتجه المشهد
المتأمل في مسار الأحداث يرى ثلاثة احتمالات تتشكل
الأول أن تنتهي المفاوضات الأمريكية الإيرانية بتسوية ما ناقصة أو مرحلية تجمد الحرب دون أن تنهيها. في هذه الحالة سترتب أوضاع المنطقة كلها بما فيها اليمن وسيكون لحضور اليمن الرسمي أو غيابه أثر مباشر على ما سيسوى فيه وما سيترك.
الثاني أن تعود الحرب مجددا حين تنتهي الهدنة وتفتح جبهات إضافية في المنطقة. وهذا سيجعل البحر الأحمر والأراضي اليمنية ساحة أكثر سخونة مما هي عليه ما يعني مزيدا من الضغط على حياة اليمنيين وعلى قدرة الدولة على ممارسة مهامها.
الثالث أن تفتح نافذة للتسوية في اليمن موازية للتسوية الإقليمية الأكبر. وهذا الاحتمال موجود حقا لكنه لن يتحول إلى واقع إلا بمبادرة يمنية جادة تمتلك رؤية وتملك شراكات وتتكلم بصوت موحد.
ما الذي يجب أن نفهمه جيدا
أن حروب الكبار لا تنتهي برسائل الاطمئنان بل بموازين القوى. وأن دولة كاليمن شديد الهشاشة وعميق الجرح لا يستطيع أن ينتظر أن تأتيه التسوية على طبق. عليه أن يشكل شروطها ويؤثر في اتجاهاتها ويحضر في كل غرفة يرسم فيها مستقبله.
الحرب الإيرانية الأمريكية علمتنا شيئا واحدا عن إيران أنها تقاتل بأدوات غيرها وتتفاوض على مصالحها هي. وعلمتنا شيئا واحدا عن أمريكا أنها تحمي مصالحها أولا وتراجع التزاماتها حين يقتضي ذلك. وعلمتنا شيئا يخصنا نحن أن من لا يملك ورقة لا يحضر الطاولة.
السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس من سينتصر في هذه الحرب الكبرى بل ماذا سيجد اليمن حين تضع الحرب أوزارها. وهل سنكون قد فعلنا ما يكفي لنستحق جوابا أفضل مما اعتدنا عليه.
هذا هو السؤال الحقيقي.



