اليمن من “أزمة منسية” إلى “حارس الممرات”

البعث نيوز ـ بقلم / نجيب عبد الرحمن السعدي
لسنوات طويلة، اختصر التوصيف الدولي للأزمة اليمنية في إطار ضيق لا يتجاوز حدود الصراع بين اقليه مضطهده وحكومة فاسده وفي افضل حالاته “الانقلاب المحلي” أو “الصراع الداخلي على السلطة”. كانت العواصم الكبرى تتعامل مع الملف اليمني بمنطق “الاحتواء” “التكتيك” و”الإغاثة الإنسانية”، معتبرة أن ما يحدث في جغرافيا الجمهورية اليمنية هو شأن يمني انتجه فشل الحاكم وانه يمكن إدارته بالحد الأدنى من التدخل، أو تركه للزمن ليعالج جراحة او اعتباره ساحة صراع بالوكالة. غير أن أحداث السابع من أكتوبر٢٠٢٣ وما تلاها من مواجهات اقليمية مباشرة ومفصلية مع النفوذ الإيراني في المنطقة وصولاً إلى حرب 2026، أسقطت هذه النظرة السطحية وكشفت عن “الحقيقة العميقة” التي لطالما حذر منها اليمنيون.
بان معركتنا ليست معركة سلطة وانقلاب بل معركة ضد الهيمنة والتموضع الإيراني الطامع في نفط الخليج وامنه وأمواله والطامح لخنق العالم وتركيعه من خلال السيطرة على خطوط التجارة العالمية، وان استعادة صنعاء لا يعني إستعادة الشرعية لمؤسسات الدولة وعودة الامن والاستقرار لليمن فحسب بل تعني اضافة الى كل ذلك ضمان أمن خطوط الملاحة الدولية وضمان وصول امن للتجارة بين الشرق والغرب بل وتعني قطع يد ايران وطموحها في تطويق الجزيرة والخليج العربي ووضع مصر تحت رحمتها.
ان الاحداث الاخيره قد أعادت تعريف المشكلة اليمنية
وإن ما شهده اليمن طيلة السنوات السابقة ليس مجرد صراع على شرعية مؤسسات، بل هو تموضع جيوسياسي خطير خططت له طهران منذ وقت مبكر ولم يكن دعمها جماعة الحوثي مجرد “مناصرة لمكون يمني”، بل كان استثماراً استراتيجياً لبناء “قاعدة متقدمة” تطل على مضيق باب المندب، وتتحكم بمدخل البحر الأحمر، وتمتد أذرعها لاحكام السيطرة على خليج عدن والبحر العربي وصولاً إلى المحيط الهندي.
هذا التموضع لم يكن يستهدف الداخل اليمني بقدر ما كان يهدف لامتلاك “مفتاح الخناق” للتجارة العالمية، واستخدام الجغرافيا اليمنية كنقطة ذات فعالية عالية في أي صراع دولي قادم تفوق إمتلاكها للسلاح النووي ذاته . وهنا ندرك أن “الشرعية اليمنية” لم تكن تقاتل في عدن ومارب والحديدة والضالع من أجل استعادة مؤسسات الدولة والقضاء على الانقلاب فقط، بل كانت تخوض حربا على خط الدفاع الأول عن الاستقرار الإقليمي وحماية التجارة العالمية ولكبح جماح الطموح الإيراني العابر للحدود وما استعادة الدولة والقضاء على الحوثي الا احد الأدوات لتحقيق الامن والسلام في المنطقة وحماية الممرات البحرية.
لقد ساهم التعامل الدولي القاصر، “وأحياناً المتأمر” مع المشكلة اليمنية كأزمة محلية وساحة لتصفية بعض الحسابات في منح المشروع الإيراني الوقت الكافي للتجذر. ظن العالم أنه في غنى عن التدخل الجذري لكن الأحداث الأخيرة أثبتت أن “تجاهل الحريق في بيت الجار” سيخنق الجميع بدخانه.
لقد أعادت التطورات الأخيرة تعريف “المشكلة اليمنية”؛
فلم تعد مشكلة داخلية بسبب فشل الدولة بل اصبحت معركة تخوضها اليمن نيابه عن الإقليم والعالم وان نظرة المجتمع الدولي القاصرة هو من افشل الدولة في السابق.
لم يعد اليوم الطرح السابق “كيف نتصالح مع الحوثي؟” مجديا بل أصبح السؤال الاجدى اليوم: “كيف نقضي على الحوثي لنؤمن شريان الحياة العالمي من تهديد وجودي؟.
هذا التعريف الجديد للمشكلة اليمنية يضع اليمن اليوم في صدارة الأهمية الاستراتيجية العالمية، ليس كعبئ إنساني، بل كضرورة أمنية قصوى.
كما ان التغيير في تعريف المعركة اليمنية قد قاد الى تغير في تصورات الحلول واصبح من الواضح
إن الرهان على “صفقات التحييد” أو “إدارة الظهر” لليمن أثبت فشله. وان الحل المستدام والوحيد الذي يضمن أمن الملاحة واستقرار الشرق الأوسط لا يكمن في حلول وسطى تترك السلاح بيد الميليشيا بل يكمن في بناء حكومة يمنية قوية، موحدة، ومدعومة دولياً للقضاء على الانقلاب وبسط نفوذ الدولة على كامل الجغرافيا اليمنية.
إن وجود “دولة يمنية مؤسسية” هو الضمانة الوحيدة والمستدامة للأشقاء في الخليج وللمجتمع، وهو الطريق الأقصر والأقل كلفة من إرسال الأساطيل والبوارج لفتح الممرات البحرية كما هي اليوم في مضيق هرمز.
مثلما أعادت الاحداث تعريف المشكلة اليمنية وطورت الحلول فان الواجب ان تواكب الشرعية اليمنية هذه التغيرات وتقديم نفسها شريكاً موثوقاً به لدى الاقليم والمجتمع الدولي وتفرض نفسها كشريك لا غنى عنه في هذه المرحلة التاريخية رغم كل ما يعتريها من ضعف وتشضي، عليها الانتقال من مربع “الاستغاثة” إلى مربع “المبادرة الاستراتيجية” عبر تقديم رؤية استراتيجية وشاملة توضح كيفيه توحيد المظلة السياسية والعسكرية والتخلص من التباينات البينية.
وخطة لمعركة استعادة المناطق الواقع تحت سيطرة جماعة الحوثي المسلحة وكيفيه إدارتها بعد انتهاء المعركة
رؤية تتضمن اليه بناء نموذج إداري ناجح للدولة اليمنية رؤية للشركة والتعاون مع الإقليم والمجتمع الدولي لتأمين الممرات المائية وتوفير الخدمات.
صحيح إن اليمن اليوم هو ” في قلب الاحداث “، والتعامل مع أزمته بمسؤولية هو استثمار في الأمن القومي العالمي. وقد انتهى زمن اعتبار اليمن “ملفاً ثانوياً”، فإما يمن مستقر تحت راية الدولة والشرعية يضمن أمن واستقرار المنطقة وسلامة الممرات المائية أو منطقة رمادية تهدد مستقبل الاستقرار الدولي لعقود قادمة.
لكن رهان الشرعية على كل هذا دون المبادرة والتقاط الفرصة والاستفادة من هذه التطورات سيكون رهان خاسر لان العالم لن يفكر او يقاتل بدلا عنا هو يصنع الفرصة وعلينا التقاطها، يبدي العالم والاقليم استعدادة لدعم ومسانده الشرعية واليمن ولكنه ينتظر منا ان نقول ماذا نريد من دعم ومساعدة وكيف سندير ذلك كما نحتاج إلى رؤية تحدد العلاقة والمسافة بيننا وبين الاخرين.



