حين اغلقت زبيد بابها على رجل كان يفتحها للعالم!

البعث نيوز ـ بقلم / عبدالرحمن رامي
«لم يكن صديقاً طارئاً في الطريق.. كان الطريق نفسه حين ضاقت المُدن، وكان زبيد حين كادت تُنسى، لم يُغادر تلك البيوت العتيقة التي كانت تتسرب منه ببُطء، حتى بقي يُقاوم وحده، كضوء يرفض الإنطفاء!».
في «زبيد»، لا تُقاس الأرواح بعدد السنوات، بل بقدرتها على حماية ما تبقى من المعنى حين يتساقط كل شيء، هناك، حيث يتعب التاريخ من حمل نفسه، رحل الرجل الذي لم يكن شاهداً على التراث، بل كان أحد حُرّاسه القلائل.
غاب «أسامة عبدالرحمن الحضرمي» المُثقف الذي لم تمنعه الإعاقة ولا المرض من أن يظل واقفاً في الصّف الأول، يُدافع عن مدينة كانت تنهار بصمت، ويكتب لها ما يُشبه الحياة كلما اقترب منها النسيان.
تعرفت عليه قبل قرابة عقدين، حين كانت الطريق إليه تمُر عبر التحقيقات الميدانية في مأساة «زبيد» بعد 2006، لم تكن لقاءات إعتيادية، بل بداية تقاطع عميق بين فكرة وصوت، بين صحفي يبحث عن الحقيقة، ورجل يسكنه التراث كقضية وجود.
كان يستقبلك بملامح هادئة، وبحفاوة لا تُصطنع، لا يُبالغ في الترحيب، إذ يمنحك شُعوراً بأنك لست غريباً عن المكان!
كان يُدافع عن مجد الأشاعر كما لو أنها جُزء من جسده، لا مُجرد مدينة على الخريطة، وحين يتحدث عنها، كانت الكلمات تتحول إلى موقف، لا إلى وصف.
نشأ في أسرة علمية عريقة، إمتزج فيها التاريخ بالمعرفة، والكتابة بالبحث، حتى صار يحمل في ذاكرته طبقات من الوعي لا تُكتسب بسهولة، ومع ذلك، ظل أقرب إلى التواضع، وأقرب إلى الفعل منه إلى الخطابة.
مرّت قرابة عقدين دون أن نشعر بثقلها الكامل، كأنها كانت تمشي خلفنا مُحمّلة بكل ما لا يُقال من أذى نفسي ومعنوي، وكل ما تراكم من وجع الحياة حين تُترك بلا رحمة، وكأن الزمن نفسه كان يختبر قدرتنا على الإحتمال ونحن نظن أننا نُواصل الطريق فقط.
في عام 2016، حين أقامت «جمعية الحصيب» مهرجان «زبيد» الثقافي، كانت الظروف أقرب إلى المُستحيل، إمكانات شحيحة، دعم رسمي غائب، ومدينة تُحاول أن تتنفس وسط الإهمال، ومع ذلك، إمتلأت السّاحات بالمُهتمين والمُثقفين والإعلاميين من معظم المُحافظات، كان ذلك المهرجان لحظة عناد ثقافي، أكثر منه فعالية!
إبتسم يومها وقال لي:
«لا أعرف كيف أجزيك يا صديقي، لقد جئت من صنعاء وساهمت معي في إنجاح هذه الفعالية».
فقلت له: «يكفي إبتسامتك، ويكفي هذا الإصرار الذي يحمل إسم زبيد إلى الواجهة، رغم كل ما يُحيط بها من خذلان!».
لم تكن علاقتنا مهنية فقط، بل علاقة إكتشاف مُتبادل، هو اكتشف في الصحفي شغفاً يتجاوز الخبر، وأنا اكتشفت في المُثقف ذاكرة تمشي على الأرض!
كان يمُدني بالمعلومة، ويُعيد صياغة أسئلتي، ويجعلني أرى المدينة بعين أخرى، ومع الوقت، لم أعد مُجرد ناقل للخبر، بل صرت شريكاً في فكرة أوسع:
«أن التراث نبض لا يموت!».
كان يقول لي بصدق نادر:
«أنت الصحفي الوحيد الذي منح زبيد مساحة من الإهتمام، وجعلها تعود إلى واجهة الوعي».
وكان يُكرر جملة بقيت عالقة في داخلي كوسام شخصي: «زبيد تُحبك، كأنك إبنها الذي عاد مُتأخراً، لكنه لم يتأخر عن الوفاء لها!».
قضيت في أزقتها أياماً وليالي وأسابيع، أبحث عن وجعها المخفي، عن العقود المسروقة من ذاكرتها، عن المخطوطات التي عبث بها النسيان والسلطة والنافذون والوجاهات المُتعددة، كان هو هناك، يُرافق الفكرة، لا يتركها تسقط، حتى حين يتعب الجسد.
ثُم جاءت الليلة الفاصلة، الأربعاء 1 أبريل 2026، على مسافة طويلة من القسوة والطرق المُرهقة والإحتمالات المكسورة، وصلتني رسالة واتساب، ظننتها كالعادة تصحيحاً أو تعليقاً لمعلومة ما عبر التواصل عن بُعد، لكنها كانت مُختلفة.
«الأستاذ أسامة الحضرمي في ذمة الله.. دعواتك له بالرحمة!».
توقفت اللحظة. لم تكن مُجرد خبر، بل إنكسار داخلي لصوته دويّ في الداخل، كأن السنوات كلها مرت أمامي في دقائق، وكأن الرجل الذي كان يُرسل الحياة في رسائله، قرر أن يُغادر بصمته الكامل، شعرت وكأنها جملة وداع شخصية:
«مع السلامة يا صديقي.. عرفتني عن قرب، وها أنا أغادر من بعيد!».
هنا، تسللت دمعتان بخجل بينما أكتب. لم أقاومهما، ربما كنت أحبك فعلاً يا صديقي، لكنني أبكي الآن أيضاً، لا لأنها دموع رثاء فقط، بل ربما تكون دموع المُقصرين أيضاً، وربما هي الحقيقة الأكثر وجعاً حين يتأخر الإعتراف على الود!
لم يكن رحيله ضجيجاً، بل إنسحاباً يُشبه غروباً بطيئاً فوق مدينة اعتادت أن تخسر أشياءها بصمت، لكنه غروب لا يُطفئ الضوء، بل يتركه مُعلّقاً في الأفق، كأثر لا يزول!
رحل أسامة الحضرمي..
لكن ما كان يحمله من فكرة، لم يرحل بعد!



