مقالات

فيروس آل البيت شذوذ فكري وزهايمر ذاكرة

البعث نيوز ـ د. لمياء الكندي

لم يعد الانتساب لآل البيت الهاشمي، بغضّ النظر عن صحته أو وهميته وادعاءه، مجرد قضية نسب يمكن التحقق منها، بل أصبح ظاهرة متضخمة تجاوزت حدود المنطق البشري، واتسعت عبر التاريخ إلى أرقام لا تتوافق مع قوانين الاجتماع أو التحقيق العلمي.

لقد حافظت الهاشمية على ذاتها كفكرة جامدة ومقاومة لكافة عمليات ومراحل التحول الإنساني؛ فمنذ ما قبل إسقاط الدولة الأموية وحتى الآن، يظهر بنو هاشم مع من ألحق بهم من دهاقنة الفرس، يظهرون أمام العالم ككتلة باطنية صلبة تحاول أن تقاوم حركة التاريخ، وتسعى لإعادة إنتاج نفسها وتحافظ على امتدادها الباطني بلافتات عدة.

لقد حافظت هذه الكتلة السلالية على عقيدتها الجاهلية القائمة على العصبية السلالية، فلم تغيّرها تعاليم الإسلام، ولم تؤثر فيها نبوءة محمد عليه الصلاة والسلام، على الرغم من توظيف انتسابه الهاشمي وتحويله إلى مزايا روحية واجتماعية وسياسية لهم، بل على العكس، لقد استثمرت في نبوءته ورسالته ، وصنعت من فكرة آل البيت الهاشمي والتشيع فيها دينا موازيا يتناقض مع رسالة الإسلام من أساسها.

فقد تصادمت دعوته منذ الوهلة الأولى لانطلاقها مع الفكرة التي تتقوقع فيها الهاشمية عبر موروث عصبي جاهلي لم يتقبل فكرة المساواة وعدالة الدين الجديد.

المنتسبون لآل البيت الهاشمي لا يفقهون من الدين إلا ذلك الذي يؤمّن لهم الحق بالوصاية والولاية؛ فمتى ما كان خاتم الحكم بيدهم كانوا هم دولة الإسلام، ومتى ما خرج عنهم الحكم كانوا أدوات هدم ولعن وسبّ للدول الإسلامية وتراثها الفكري والفقهي والسياسي والعسكري الذي لم يكونوا هم المتصدرين فيه.

وهذا يفسر أمر ظهورهم وانتشار حضورهم واستعادة مكانتهم كلما ضعفت الدولة وانهارت، ليجدوا أنفسهم بديلًا عنها، أما في ظل الدولة القوية المستقرة فتجدهم يتقمصون أعلى درجات الخضوع والذل والاستكانة، وهذه حالة من حالاتهم، مع عدم التوقف بل يواصلون التحرك من خلال سلوكهم الباطني الخفي والخبيث حتى يستعيدوا زمام الأمور .

لقد حافظت الهاشمية على ذاتها كفكرة مخالفة تعكس شذوذًا فكريًا ودينيًا يضعها دائمًا في خانة الاتهام، فلم يكن الهاشميون ككتلة موحدة جزءًا من سياج الأمة وعملية بنائها، وهذا ليس تحاملًا منا؛ فعندما نتكلم عن الهاشمية نتكلم عن كونها كيانًا مترابطًا بدعوة واحدة ونظرية فكرية وعقائدية واحدة، لا تنتج من العلوم الدينية إلا فكرة الولاية.

تؤمن بخرافة الولاية والوصاية، وتؤمن بالفوقية العنصرية السلالية وما انطوى عليها من تمييز، تجعلها مقدمة على أي قيمة دينية واجتماعية واعتبار قانوني.

إن الوقوف عند الألقاب التي ظهر بها الهاشميون وسط المجتمعات العربية والإسلامية، من الشريف إلى السيد إلى الحبيب إلى غيرها من المعاني العنصرية التمييزية، يقودنا إلى ضحالة هذه العقدة وتأصلها لدى هذه الجماعة من البشر.

لقد قادت حالة الاستعلاء العنصري الشاذة التي تعشعش في عقول المنتسبون لآل البيت الهاشمي ويصفون أنفسهم بعلماء وأئمة، إلى تعميق خرافة التمييز والاصطفاء، في محاولة لإعادة تشكيل الدين والتاريخ وفق معيار سلالي لا إيماني .

يظهر جليا على سبيل المثال لا الحصر في ذكر الشيخين أبي بكر وعمر وعثمان بأسماءهم مجردة وهو عرف تربى عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام، في حين تُكرَّس مصطلحات “الإمام-كرم الله وجهه -الوصي – الولي ” عند ذكر علي رضي الله عنه وأبنائه وذريته.

في حين يطال التشويه رموز التاريخ الإسلامي صحابة وفاتحين كعثمان وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والزبير بن العوام وعائشة وغيرهم .

هذه الانتقائية الهاشمية تمكنت عبر أدواتها الناعمة من خطباء ومؤرخين وكتاب سِيَر وعلماء وفقهاء ومحدثين ومشايخ، من إعادة إنتاج الهيمنة السلالية على الفكر الجمعي عبر إعادة كتابة التاريخ وتشويه الشخصية التاريخية العربية لصالح البطولة الهاشمية الفارسية المصطنعة والمكانة التي يحاولون تثبيتها بالنسب لا بالفعل والأثر، وكان ذلك بدفع من الحركات الباطنية التي اشتغلت بتمزيق الهوية العربية والإسلامية على مدى ألف وثلاثمائة عام، وما زالت.

فقد نسفت بأدواتها تاريخ الدولة الأموية التي وصلت حدودها إلى تخوم فرنسا غربًا والصين شرقًا، وتم تصويرهم بأنهم ظلمة فاسقون، وفي الوقت الذي كانت الجيوش العربية الإسلامية تمضي في حركة فتوحها، كانت الكوفة حاضنة لأكبر تجمع عنصري سياسي يتم إعداده ليكون بؤرة خلاف واختراق للأمة الإسلامية عبر علاقات فارسية هاشمية تربطها عناصر التقاء مشتركة ضد دولة الخلافة العربية والدولة الإسلامية.

لقد أنتج مجتمع الكوفة أطوارًا جديدة من الحالة العنصرية الهاشمية المتضخمة التي تم تغذيتها عقائديًا على فكرة الامتياز وتبعاته من واجبات وحقوق على الأمة تجاههم، فخرجت منها ما يزيد على ثلاثة آلاف حديث كلها تقول بفكرة الاصطفاء العرقي وأحقية الحكم لبني هاشم، وتؤمن قطعًا بالوصاية والولاية كحق أصولي من أصول الدين.

لقد دفع هذا التضخيم الديني للحالة الهاشمية الشاذة إمام دار الهجرة أنس بن مالك إلى رفض حديث أهل الكوفة، مبررا ذلك بأنهم “يذهب إليهم الحديث شبرًا ويعود ذراعًا”.

هذا التضخيم الفكري لتيار الكوفة دفع بني العباس والفاطميين إلى ارتكاب الكثير من التجاوزات في حق التراث الفكري والديني السني، منها حرق نسخ موطأ الإمام مالك، وإعدام علماء المالكية في مصر والمغرب والعراق والحجاز على مدى ثلاثة قرون.

وكان الدافع لمعاداة المالكية هو مواجهة روح الإسلام العملي في مذهب أهل المدينة الذي حدد مصطلحات المجتمع المسلم: “مهاجرين وأنصار، أهل بدر وأهل أحد وبيعة الرضوان، وقبل وبعد الفتح، وفي مقابلهم جعل تيار المنافقين ومعسكر المشركين.

فلم تقل مصنفاتهم بأحقية آل البيت ولا بخصوصية التعامل معهم، وواجهت المالكية حينها مفاهيم التقسيم العنصري بلغة عصرها بترسيخ فكرة أن استحقاق ميراث النبوة لا ينال إلا بالجهد والعمل والاتباع الصادق، لا لاعتبارات القرابة، ناسفة فكرة الاصطفاء الهاشمي بعدم الاعتراف به من أصله.

لقد خرج آل البيت الهاشمي، علويون وعباسيون وكل من ألحق بهم ومنحت لهم مشجرات النسب، خرجوا عبر تنظيمات سرية باطنية تحت شعار “الرضا من آل محمد”، ليستقطبوا أوباش العجم ودهاقين الفرس الحالمين بعودة إيوان كسرى، مرورًا بالفاطميين والحشاشين والموحدين والإسماعيليين والزيود.

صاغوا بكائية الحسين بن علي المغامر الذي لم يقبل نصائح عدد من كبار الصحابة وأقاربه في مكة لإثناءه عن الخروج إلى الكوفة لكنه خرج إلى حتف محقق .

ورغم مقتله على يد شيعته فقد جعل كهنة آل البيت الهاشمي مدخلًا للعداء للأمة وتغيير عقائدها .

في مقابل تجاهل حدث مثل مقتل أمير المؤمنين ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأمور أخرى تجسد رواية هاشمية تاريخية تسللت للفكر السني بقدر ما تبناها الفكر الشيعي بصوت صارخ ولا زالت هذه الرواية أرضية خصبة في العقل والوعي الجمعي لعودة التشيع وظهور مشروعه عبر القرون .

يحرص كهنة آل البيت الهاشمي على ترسيخ مسألة الخمس والنذور واستحلال أموال المسلمين والسطو على الأوقاف والزكاة وحيازة الصوافي وترغيب عوام المسلمين وحثهم إلى تقديم القرابين والنذور وقضاء الحاجات لهم ليتم تحويل الإسلام وفق هذا التوجه إلى شركة” قريش القابضة” وهم مجلس إدارتها .

إن التحدي الأكبر اليوم هو استعادة الأمة لوعيها الجمعي، حيث يتم إدراك التاريخ الإسلامي بعيدًا عن تأثير السلالة وتضخيم الشخصيات السلالية، وإلغاء دور الفاتحين العرب، ونشر مفاهيم وقواعد العقيدة الصحيحة، وعدم الرضوخ لحساب تنظيمات وجهات تاريخية باطنية تسعى لتلميع هذا الفكر، مستخدمة شعار الحرب بين الكفر والإسلام، أو توظيف قضايا الصراع بين الحق والباطل لإظهار أنهم أهل الحق.

كما يظهر في مواقفهم مع القضية الفلسطينية، وحرب إيران مع إسرائيل وأمريكا، وتجاهلهم للإعتداءات الإيرانية على المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي والأردن ، فلا ينبغي أن نغتر تحت تأثير الدعاية الهاشميةالكهنوتية الباطنية، حتى لو قاتل هؤلاء الشيطان نفسه.

ودمتم بخير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!