مقالات

حين يتذكر الجلاد أنه ضحية..


البعث نيوز ـ بقلم : صفوان سلطان

حين يتحدث من أمضى عقداً كاملاً في اختطاف أصوات الناس عن حرية التعبير، فأمامك أحد خيارين لا ثالث لهما: إما أن تضحك، وإما أن تبكي. والأجدر بنا الذين عشنا هذا المشهد أن نفعل الاثنين معاً، ثم نجلس ونحلل ما الذي وصلنا إليه.

منذ عام 2016، حين بسطت القوى التي شكّلت لاحقاً المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرتها الأمنية والميدانية على عدن، لم تكن المدينة تعيش مرحلة تحرير جديدة، بل كانت تدخل في قيد مختلف الشكل، متشابه الجوهر. القيد القديم كان حوثياً، والجديد كان انتقالياً، لكنهما يشتركان في معادلة واحدة: لا صوت يعلو فوق صوت من يحمل السلاح.

عشر سنوات كاملة أغلقت فيها الأجهزة الأمنية الانتقالية الأفواه وفتحت السجون العامة و الخاصة لمن خالف التوجه، وحوّلت مفردة “الجنوب” من قضية جامعة إلى ملكية حصرية تُستخدم للإقصاء لا للتحرر. كل صوت رأى الجنوب بعيون مختلفة كان يجد نفسه أمام خيار: الصمت أو الاختفاء.

عشال.. حين صار السؤال جريمة
في يونيو 2024، اختطفت قوات تابعة لجهاز مكافحة الإرهاب الانتقالي المقدم علي عبدالله عشال الجعدني، من قلب عدن وأمام أعين الناس. لم يكن اختطافاً عادياً، بل كان توقيعاً على رسالة يفهمها كل عدني: أن لا حصانة لأحد خارج المنظومة الانتقالية.

الجريمة وُثّقت على أيدي أجهزة الأمن ذاتها، وكشفت التحقيقات عن تورط قيادات في الانتقالي على العملية، ثم فرّت بعدها إلى الخارج، بعد أن عطّلت العدالة بإطلاق أحد المتهمين الرئيسيين بضمانتهم الشخصية ثم تركهم يهربون. وكشفت مصادر موثقة أن وراء الجريمة مقربون من رئيس الانتقالي ( المنحل ) نفسه، الذي وظّف أجهزة الدولة لحسم نزاع على أراضٍ لصالحه.
لكن ما جاء بعد الاختطاف كان أشد وطأةً من الجريمة ذاتها. حين خرج أبناء قبيلة الجعادنة وذوو المختطف يسألون: أين عشال؟ كان الجواب رصاصاً حياً أُطلق باتجاه موكبهم، ومدرعات نُشرت لمنع وصولهم إلى ساحة العروض، وإغلاقاً للشوارع المؤدية إلى التجمع. حُوِّل السؤال الإنساني الأبسط والأعمق “أين ذهب ابننا؟” إلى جريمة يعاقب عليها القانون الانتقالي غير المكتوب.

لم يُعثر على عشال حتى اليوم. ولم يُحاسَب المسؤولون الفعليون. ولم يُقدَّم لأهله سوى صمت مدوٍّ تُحيط به مذكرات إنتربول لم تُنفَّذ، وملفات قضائية علقت في فضاء السلطة الانتقالية كما تعلق الأسئلة التي لا يريد أحد أن يجيب عنها.

الزبيدي يُقمع مجلسه قبل أن يُقمعه الآخرون
ثم جاء ديسمبر 2025. أطلق عيدروس الزبيدي عملية عسكرية باتجاه حضرموت والمهرة دون أن يُشرك في قراره من يُفترض أنهم شركاؤه في القيادة الانتقالية. شخصيات من داخل المنظومة ذاتها أفصحت عن أن القرار كان منفرداً بامتياز، وأنه لم يُستشَر فيه أحد، ولم يُعرض على هيئة، ولم يخضع لنقاش، ولم يجرؤ أحد على معارضتة. فالرجل الذي بنى خطابه على التوافق والإرادة الجنوبية الجماعية كان في الحقيقة يحكم بمنطق الفرد الواحد، لا مجلساً ولا هيئةً ولا تشاوراً.

هكذا أثبت الزبيدي أن منظومته لم تكن تقمع المختلفين من خارجها فحسب، بل كانت تُقمع من داخلها أيضاً. القمع لم يكن أداةً دفاعية بمواجهة الخصوم، بل كان ثقافةً مؤسسيةً راسخة تبدأ من رأس الهرم وتنزل إلى أدنى تفاصيل العمل.

فشلت المغامرة العسكرية، وتدخّلت الشرعية والسعودية الداعمة لها، وانسحب الانتقالي، وفرّ الزبيدي إلى ابوظبي، وأعلن قيادات الانتقالي بعد التخلص من قمع الزبيدبي حل المجلس. المشروع الذي أمضى عشر سنوات يُعلّم الجنوبيين درس السيادة والدكتاتورية و انه لا صوت يعلو على صوت عيدروس، انهار في أسابيع أمام أول اختبار حقيقي لشرعيته الإقليمية.

شخصيات مجهولة تُطالب بحق التعبير… عن ماذا؟
الآن، وبعد كل ما سبق، تظهر لنا بيانات تصدر عبر حسابات المجلس المنحل، تتحدث عن القمع وتضييق حرية التعبير وإغلاق المقرات. والسؤال الأول الذي يطرحه أي مراقب موضوعي: من أصدر هذه البيانات؟
جهة لا رئيس لها، لأن رئيسها فرّ إلى الخارج. جهة لا اعتراف إقليمياً بوجودها القانوني، لأن قياداتها هم من أعلنوا حلها. جهة تُطالب بإعادة فتح مقرات لم تمتلكها يوماً بسند قانوني نظيف، بل استولت عليها بالقوة من مؤسسات الدولة ومن القطاع الخاص خلال سنوات الهيمنة. هي تُذكّرنا بمحامٍ فاشل يرفع دعوى قضائية يطالب فيها باسترداد أموال مسروقة ثبت أن موكله هو من سرقها أصلاً.

هنا تكتمل ما يمكن تسميتها بـ”معضلة الضحية والجلاد”: حين يتحول من أمضى عقداً في تكميم الأفواه وقمع المحتجين وإخفاء المختطفين إلى متحدث باسم الحريات، فهو لا يُقنعنا بأنه تغيّر، بل يُثبت لنا أنه لا يزال يرى في الحرية أداةً انتهازية يُسخّرها لخدمة مصالحه حين يحتاجها، ويتخلى عنها حين تُزعجه.

القضية الجنوبية أكبر من أن يحتكرها من أساء استخدامها. وعدن أعظم من أن تكون ذكرى لعشرية سرق فيها الجلاد اسم الضحية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!