مقالات

سقوط صعدة.. اللحظة التي انكسر فيها ميزان الدولة وصمتت فيها النخب

البعث نيوز ـ بقلم / نجيب عبد الرحمن السعدي

في خضم اندلاع الثورة الشبابية في مختلف محافظات الجمهورية خلال فبراير 2011، وبينما انشغل الجميع — دولةً وأحزاباً ومجتمع — بتداعيات تلك الأحداث كانت جماعة الحوثي تتحرك وفق مسار مختلف تماماً. شاركت الجماعة في الثورة كفرصة استراتيجية ونافذة للتنفس ومنصة للظهور وغطاء للتحرك.
في الوقت الذي كان فيه المشهد العام غارقاً في زخم الثورة، استثمرت الجماعة حالة الانقسام والاضطراب وهو سلوك تاريخي ارتبط بنهج الإمامة في صناعة الأزمات بين اليمنيين واستغلالها وانتهاز الفرص أثناء الخلافات بين اليمنيين لتخرج من شقوق الدهر المهترئة.
فخرجت من أجحارها في شعاب وجبال صعدة كخروج “الكتن” إذا حل الظلام، وباسم الثورة خرجت الجماعة من جحورها في مران والحمزات وأضحيان ومطره وغيرها، واتجهت صوب مركز مدينة صعدة، التي يتواجد فيها قبائل العبدين بقيادة الشيخ عثمان حسين فائد مجلي، عضو مجلس القيادة الحالي، وفيها أيضاً العديد من مشايخ صعدة وقبائلها _ واعتذر لهم عن عدم ذكر اسمائهم هنا فمقال واحد لا يتسع لذلك فلكل واحدا منه قصة من التضحية والنضال تستحق ان تدون باحرف من نور في مجلدات وكُتب وسوف اكتب عنهم بما يوفيهم جزء بسيط من حقهم إن شاء الله عندما تحين الفرصة_ و بسبب وقوفهم مع الجيش نكّل بهم الحوثي أثناء كل هدنة تعقب جولات حروب صعدة.
اتجه الحوثي بمقاتليه نحو مركز المدينة، واندلعت المواجهات بين قبائل صعدة المتواجدين في مركز المدينة بقيادة الشيخ عثمان مجلي، وهو من أسرة عريقة لها تاريخ طويل في مقارعة الإمامة، وهو قيادي في حزب المؤتمر.
قاتلت قبائل صعدة بكل بسالة وشجاعة لأشهر، والجميع يتفرجون، وربما متآمرون عليها، فلم يشفع لهم أن شيخهم عثمان مجلي قيادي في المؤتمر، كما لم يشفع لهم أنهم قاتلوا إلى جوار الجيش في كل الحروب الست. قاتلوا جماعة الحوثي بإمكانات ذاتية دون تدخل من معسكرات الدولة، والبالغ عددها أحد عشر لواءً فيما كان يُسمى بالمنطقة الشمالية الغربية.
وكعادته في صناعة الفرص وانتهازها وعقب أحداث جمعة الكرامة الدامية في 18 مارس 2011، استغل الحوثي هذا الحدث ليجهز على قبائل صعدة المناوئة له ويحكم سيطرته على صعدة وعلى أحد عشر لواءً عسكرياً بكامل عدتها وعتادها.
في يوم 21 مارس اكمل الحوثي سيطرتة على صعدة ثأراً لشهداء جمعة الكرامة، حسب قوله.
لقد ثأر لهم بطريقته الخاصة، حيث قام بتفجير 23 منزلاً والاستيلاء على 76 منزلاً، وتهجير مئات الأسر، وقتل 43 مدنياً، بينهم 11 امرأة وطفل من أسرة علي محمد الحبيشي، في حارة درب المام بباب اليمن، ففي ١٩ مارس فجّر الحوثي منزل علي محمد الحبيشي على رؤوس بناته وأطفالهن.
وقد تم تفجير المنزل بتوجيهات الاخوين طه ويوسف المداني، والذي قام بتنفيذ هذه الأوامر هم إخوانهم، بحسب ما روت لي القصة الحاجة “هندية” والدة كل الضحايا وهو ما أكده كثير من أبناء صعدة ومنهم الحاج حسين الدولة رحمة الله.
حيث قالت إنها كانت في بيتها مع بناتها وأولادهن، فسمعت إطلاق رصاص، وكانت معها حفيدة تعاني من مرض وكانت تبكي، فأخذتها إلى غرفة في آخر المنزل حتى لا تسمع الرصاص.
قالت: فجأة حدث انفجار، ولم تدرِ بما حدث بعدها، إلا وهي في الشارع “بلا طرحة فوق رأسها”.
قالت: “شفت الناس وهم متحلقين على ركام البيت، وأصوات أنين بعض بناتها تحت الأنقاض، وكان الناس يريدون إنقاذهن، لكن مقاتلي الحوثي حالوا بينهم وبين ذلك”.
قالت: “جاء واحد من إخوة طه أحسن إسماعيل المداني من خلفها، وصوّب البندقية إلى ظهرها، ويقول لأخيه الآخر: هذه “أمي هندية”، أقتلها؟ فقال له أخوه: لا تقتلها، نحن نريد ابنها محمد”.
سألت الحاجة هندية: لماذا يقول لك “أمي هندية”؟
قالت: “بيت أحسن إسماعيل المداني قريب من بيتنا وكانوا يعيشون معنا ويأكلون معنا، وكنت أتعامل معهم وكأنهم أولادي يلبسون مع أولادي ومن ملابسهم ويأكلون معهم، وكانوا ينادونني: أمي هندية” لاني كنت أم لهم وهم مثل عيالي.
قالت: “ترجيته أن يقتلني ويسمحوا للناس بإنقاذ بناتي، لكنهم رفضوا، وكانوا يصوبون أسلحتهم ويطلقون الرصاص تجاه أي مكان يصدر منه أنين للضحايا تحت الأنقاض”.
تركوا الضحايا ثلاثة أيام حتى ماتوا، واستخرجوا الجثث، ونقلوها إلى المستشفى، ثم استدعوا أحد مقاتليهم، ليوقع على محضر استلام ودفن الجثث، ودفنوها في مكان لا تعلمه الأسرة، حسب كلام “أمي هندية”. كتب لأمي هندية العيش لتروي هذه المأساة وتعيش جرح فقدان احد عشر بنتا وحفيد، كما كتب العيش لحفيدتها ولكنها معاقاه بسب اصابتها من التفجير.
سقطت صعدة بيد الحوثي، وأحكم سيطرته عليها بعد أيام من مجزرة جمعة الكرامة وانسحب المقاتلون القبليون من أبناء صعدة، يمشون على جراحهم وآلامهم، لا يحدثون أحدا عما جرى لهم. وهذا ما عرفته عن أبناء صعدة فهم قوم لا يشكون حالهم لأحد، ولا يستجدون النصرة من أحد، يقاتلون ويضحون بالغالي والنفيس ثم يذهبون لحالهم دون منٍّ أو أذى، أغنياء أنفس، قد خلت منازلهم من كل شيء إلا عزة النفس وكرم الأخلاق والشجاعة في تلك المواقف.
سقطت صعدة في ليلة من ليالي اليمن الحزينة، سقطت والنخب السياسية والثقافية غارقة في تفاهتها؛ فمنهم من قال سقطت صعدة بيد الثوار، ومنهم من تحدث أن ما حدث هو تمهيد لقيام الدولة المدنية الحديثة.
سقطت صعدة وعلى صدرها يجثو أحد عشر لواءً عسكرياً بكامل عدته وعتاده، وجنرالات جيشنا وقياداته يتصارعون على من سيسيطر على شارع الدائري وعلى جولة كنتاكي.
سقطت صعدة بصمت من بعض النخب، وتآمر البعض، ومباركة من البعض الآخر.
إنني أجزم بأن ثلاثة أيام من أيام اليمن الحزينة، فيها سقطت اليمن والجمهورية: يوم سيطرة الحوثي على صعدة في مارس 2011، ويوم خروج طلاب مركز دماج، ويوم سقوط اللواء 310 واستشهاد القشيبي في 2014.
تحسسوا جيدا المواقف من هذه الاحداث الثلاث لنعلم من الصادق منا ومن الكاذبون ومن المرجفون ومن المتذبذون.
وعلينا أن نكون واضحين مع الجميع، وتحديدا مع النخب السياسية والثقافية_ وجوه العار والهزيمة_ ونقول لهم: عليكم أن تصمتوا صمت أصحاب القبور، فهذه الأيام وصمة عار في جبين كل من صمت أو برر أو تآمر أو شارك، ولو اغتسل في بحر الجمهورية سبعين مرة فلن يغسل ذلك عاره، إلا أن يخرج معتذراً غير مبرر، ويضحي في مواجهة الكهنوت كما ضحت “أمي هندية” وقبائل صعدة، أو يخوض معركة ويتلقى فيها من الطلقات ما تلقاه جسد الشهيد حميد القشيبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!