مقالات

لماذا عدن أولاً؟


البعث نيوز ـ بقلم: صفوان سلطان

لا أكتب بدافع حنينٍ إلى ماضٍ لم يُنصفها كاملاً، ولا مقارنةً بين حقبٍ سياسية، بل من موقع قراءةٍ لمسارٍ طويلٍ من التهميش الذي طال مؤسساتها وأبناءها على حدٍ سواء.

عدن لم تُنصف تماماً في أي مرحلة، لا في زمن الاحتلال الذي كان يخدم مشروعه هو، ولا في المراحل الوطنية اللاحقة التي كان يُفترض أن تعيد الاعتبار للمدينة وأهلها. وما تغير عبر العقود لم يكن جوهر المشكلة، بل شكلها فقط.

منذ عام 1967، بدأت عملية إعادة تشكيل قسرية لهوية المدينة الإدارية. تراجعت نخبها المدنية، وأُعيد توزيع مراكز القرار بعيداً عن كفاءاتها المحلية. ومع كل مرحلة سياسية، تكرس نمطٌ واحد: إدارة عدن من خارجها، أو باسمها، لا عبر أبنائها.

وتجلى هذا التهميش بوضوح في أحد أهم مفاصل الدولة:
الجيش والأمن.

على امتداد عقود، غابت أسماء عدن بشكل لافت عن قيادات التشكيلات العسكرية والأمنية المؤثرة داخل مدينتهم نفسها.
قلّما وجدنا قائداً عسكرياً رفيعاً من أبناء عدن يتولى قيادة لواء أو منطقة عسكرية فاعلة داخل المدينة.
ندر أن كان مدير أمن عدن أو قادة الوحدات الكبرى من بيئتها الاجتماعية.
حتى المعسكرات القائمة داخل حدودها، كثيراً ما أُديرت بقيادات لا تمتلك ارتباطاً عضوياً بالمكان ولا فهمًا عميقاً لخصوصيته المدنية.

هذا ليس اعتراضاً على أحد، ولا إنكاراً لدور الآخرين، بل توصيف لاختلال واضح في معادلة الشراكة.

مدينة ذات طبيعة مدنية خاصة، وتاريخ إداري منظم، لا يمكن أن تُدار أمنياً بعقلية منفصلة عن نسيجها الاجتماعي. الأمن ليس انتشاراً عسكرياً فقط، بل علاقة ثقة بين المجتمع ومؤسساته. وحين يغيب أبناء المدينة عن مواقع القرار الأمني داخلها، تتآكل هذه الثقة تدريجياً.

الأمر ذاته طال بقية المؤسسات الحيوية:
إدارة الميناء.
المواقع الاقتصادية.
الوظائف العليا.
القرار الإداري المحلي.

أبناء عدن كانوا غالباً في الصفوف الخلفية داخل مدينتهم.

عدن لم تكن عبئاً على الوطن.
بل كان الجميع عبئاً عليها.

احتضنت مؤسسات الدولة.
استقبلت موجات النزوح.
تحملت نتائج الصراعات.
وكانت دائماً ساحة استقرار نسبي وسط العواصف.
لكنها في المقابل لم تُمنح حق إدارة نفسها عبر كفاءاتها وأبنائها.

فلماذا عدن أولاً؟

لأن تمكين أبنائها في الجيش والأمن والإدارة ليس مطلباً مناطقياً، بل ضرورة لاستقرار مستدام.
لأن مدينة بلا حضور حقيقي لأبنائها في مفاصل القرار تصبح ساحةً لا شريكاً.
ولأن إعادة الاعتبار لعدن تبدأ بإعادة الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وهذه الثقة لا تُبنى إلا بالشراكة العادلة.

عدن أولاً تعني:
تمكين الكفاءة العدنية في مواقع القيادة، مدنيةً وأمنيةً وعسكرية.
توحيد القرار داخلها.
إخراجها من دائرة التنافس على النفوذ إلى دائرة البناء المؤسسي.
واعتبارها نقطة توازن لا ساحة تجاذب.

حين نقول عدن أولاً،
فنحن لا نخاصم أحداً،
ولا نطلب امتيازاً.

نطالب فقط بأن تُدار عدن كما يليق بمدينة دولة،
وأن يكون لأبنائها حضورٌ حقيقي في حماية مدينتهم وإدارة مواردها،
لأن إنصاف عدن ليس مصلحة محلية فحسب…
بل خطوة ضرورية لاستقرار الوطن كله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!