عدن… حين ينهض الصوت المدني من بين ركام التهميش

البعث نيوزـ بقلم : صفوان سلطان
لم تكن عدن يوماً مدينة عابرة في التاريخ.
كانت ميناءً تلتقي فيه البحار، ونافذةً تتنفس منها اليمن على العالم، ومدرسةً في الإدارة والانضباط المدني، قبل أن تُغلق نوافذها واحدة تلو الأخرى.
عدن التي عرفت النظام قبل أن تعرف الفوضى،
والقانون قبل أن تعرف السلاح،
والمدنية قبل أن تُثقلها صراعات المشاريع.
هذه المدينة لم تُظلم لأنها ضعيفة، بل لأنها قوية.
ولم يُهمَّش صوتها لأنه خافت، بل لأنه كان مختلفاً.
منذ عقود، تعاقبت عليها مشاريع كبرى وصغرى، شعارات عريضة ورايات مرتفعة، لكن المدينة نفسها بقيت واقفة على الرصيف، تراقب من يتحدث باسمها أكثر مما يصغي إليها.
تارة تُستخدم كورقة ضغط، وتارة تُختزل في مكون، وتارة تُختطف باسم قضية، بينما أبناؤها يبحثون فقط عن حقهم الطبيعي في إدارة مدينتهم بكرامة ونظام.
كانت عدن كالأم التي يُتجادل الأبناء حول ميراثها، بينما هي لا تطلب سوى أن تُصان بيتها.
عاشت الإقصاء بصمت.
وتحمّلت التهميش بثبات.
وشهدت تعدد مراكز القرار على أرضها، حتى غدا القرار نفسه غريباً عنها.
وفي كل مرة كانت تحاول أن تستعيد صوتها، كانت الأصوات الأعلى تطغى، والمشاريع الأكثر صخباً تتقدم، بينما المدينة المدنية بطبعها لا تُجيد الصراخ، بل تُجيد البناء.
اليوم، وفي لحظة مراجعة سياسية عميقة، يبرز مجلس عدن الاتحادي كإطار يحاول أن يُعيد للمدينة صوتها المنظم، لا الصاخب؛ صوتها المؤسسي، لا الفردي.
ليس لأنه مشروع مواجهة، بل لأنه مشروع ترتيب.
وليس لأنه يحمل راية خصومة، بل لأنه يحمل فكرة تنظيم.
إن إشهار مجلس عدن الاتحادي ليس حدثاً عابراً في رزنامة السياسة الجنوبية، بل محاولة جادة لإعادة تعريف العلاقة بين عدن ونفسها أولاً، وبينها وبين محيطها ثانياً. محاولة لإخراج المدينة من مربع التوظيف السياسي إلى مربع الشراكة المتوازنة.
المجلس، برعاية المستشار ياسين مكاوي، لا يقدّم خطاباً انفعالياً، بل يطرح رؤية اتحادية إدارية حديثة، تقوم على أن تمكين عدن من إدارة مواردها وتنظيم شؤونها ليس نزعة انعزال، بل ضرورة وظيفية لمدينة وُلدت لتكون ميناءً إقليمياً ومركزاً اقتصادياً، لا ساحة صراع مفتوحة.
عدن لا تحتاج إلى من يرفع صوتها،
بل إلى من ينظم مؤسساتها.
لا تحتاج إلى مشروع يُعلن الحرب باسمها،
بل إلى مشروع يحمي استقرارها.
ولعل أكثر ما يُعوَّل عليه في هذا المجلس أنه يُعيد الاعتبار لفكرة أن المدينة يمكن أن تُدار بعقل جماعي، لا بإرادة فردية، وبمؤسسات لا بأشخاص، وبشراكة لا بإقصاء.
لقد تعبت عدن من أن تكون عنواناً للصراع.
وتحتاج أن تكون نموذجاً للاستقرار.
وإذا كان الماضي قد علّمنا شيئاً، فهو أن إقصاء التعددية لا ينتج إلا انقسامات أعمق، وأن احتكار التمثيل يُضعف القضية التي يُدّعى الدفاع عنها.
إن مجلس عدن الاتحادي، إذا التزم بروح الاعتدال والتنظيم التي أعلنها، يمكن أن يتحول إلى مظلة مدنية حقيقية تعيد ترتيب البيت العدني، وتفتح باب الحوار الجنوبي على قاعدة التوازن لا المغالبة.
المعركة اليوم ليست على من يرفع الشعار الأعلى،
بل على من يبني المؤسسة الأرسخ.
عدن، التي كانت يوماً منارة بحرية، لا تزال قادرة أن تكون منارة سياسية، إذا تُرك لها أن تدير نفسها بعقلها المدني، وخبرتها التاريخية، وتنوعها الذي كان دائماً مصدر قوتها.
قد لا يكون الطريق سهلاً.
وقد تُثار الشكوك، وتُختبر النوايا.
لكن ما هو مؤكد أن المدينة التي صبرت طويلاً على التهميش، تستحق أخيراً أن تُمنح فرصة تنظيم نفسها.
فعدن لم تكن مشكلة في يوم من الأيام.
كانت دائماً حلاً… حين يُسمح لها أن تكون كذلك.



