الحوار ليس تفويضاً حصرياً… بل مساحة وطنية مفتوحة للجميع

البعث نيوز ـ بقلم: صفوان سلطان
حين دعت المملكة العربية السعودية إلى إطلاق مسار الحوار الجنوبي–الجنوبي، لم تكن تهدف إلى استحضار خطاب الإقصاء بأدوات جديدة، ولا إلى إعادة إنتاج منطق “الحقيقة الواحدة” تحت لافتة الحوار، بل كانت تفتح نافذة نادرة أمام الجنوبين كي يجلسوا معاً، لأول مرة منذ سنوات، على طاولة واحدة، لا بوصفهم جبهات متقابلة، بل شركاء في البحث عن مشروع سياسي قابل للحياة.
ومن هنا، فإن من حق اعضاء المجلس الانتقالي ( المنحل ) ، ومن حق أي مكوّن جنوبي أو شخصيات جنوبية، أن يطرح ما يراه من خيارات، ومنها خيار استعادة الدولة. هذا حق سياسي مشروع.
لكن من الحق أيضاً، وبالقدر ذاته، أن يشارك في الحوار جنوبيون آخرون يرون خيارات مختلفة تماماً:
هناك من يطالب بالوحدة الاندماجية كما هي، وهناك من يطرح الفدرالية بأقاليم متعددة، وهناك من يرى فدرالية مرحلية يتبعها تقرير مصير، وهناك من يقدّم تصورات أخرى لا تتطابق مع خطاب الانتقالي ولا تتقاطع معه بالضرورة.
وهنا جوهر المسألة:
يا سادة… الحوار ليس تفويضاً حصرياً لأحد.
ولا يحق لأي طرف أن يتحدث وكأنه “الجنوبي” الوحيد، وأن الآخرين مجرد أصوات هامشية أو طارئة.
كلنا جنوبيون.
قد نختلف معكم، نعم، لكننا لسنا أقل انتماءً ولا أقل حقاً.
العودة المستمرة إلى خطاب “لا حل إلا باستعادة الدولة، وإلا فالشارع هو الحكم” ليست رسالة حوار، بل رسالة ضغط وتهديد.
والشارع ليس عصاً تُرفع على المختلفين، ولا أداة لفرض رأي واحد على بقية المكونات.
لأن الحوار، ببساطة، لا معنى له إذا كان أحد الأطراف يدخل إليه وهو يحمل نتيجة مسبقة ويعتبر كل من يخالفه خصماً أو خائناً أو “ليس جنوبياً”.
لقد جُرّب هذا المنطق من قبل، حين فُرض الرأي بالسلاح والتشكيلات المسلحة، وحين أُقصي المختلفون، وكانت النتيجة واضحة أمام الجميع: عدن اليوم لا تعاني من غياب الشعارات، بل من فائض الهيمنة، ومن مناخ التحريض، ومن ثقافة التخوين.
ولعل ما حدث صباح اليوم باقتحام مؤسسة “عدن الغد” وتحطيمها ليس بعيداً عن هذا المناخ، حين تتحول السياسة إلى صراخ، والاختلاف إلى عداء، والرأي الآخر إلى هدف.
كما أن ما شهدناه في ساحات العروض من إساءات غير مسؤولة تجاه المملكة العربية السعودية، وعدم احترام علمها الذي يحمل شهادة الإسلام وذكر الله ورسوله، يكشف خطورة الانزلاق من الحوار إلى الفوضى، ومن السياسة إلى التحريض.
الحوار ليس شعاراً.
الحوار هو قبول الآخر.
هو الاستعداد لسماع ما لا يعجبك.
هو القدرة على الجلوس مع المختلف دون تخوينه.
وهو البحث عن مشروع لحل القضية الجنوبية يتوافق عليه الجميع، لا مشروع يُفرض بالقوة أو بالتهديد.
يا سادة… إن كنتم تؤمنون بالحوار حقاً، فابدأوا من هنا:
اسمعوا الآخرين كما تطالبون أن يسمعوكم.
واعترفوا أن الجنوب ليس صوتاً واحداً.
ولا يمكن أن يُبنى المستقبل على منطق الاحتكار.
القضية الجنوبية أكبر من أي شخص او مكون او منطقة، وأعمق من أي تنظيم، وأوسع من أن تُختزل في طرف واحد.
ومن أراد أن يقودها فعلاً، فعليه أن يتعلم أولاً كيف يكون شريكاً، لا وصياً.



