العدالة الانتقالية… طريق الطمأنينة لا طريق الثأر

البعث نيوز ـ بقلم / صفوان سلطان
منذ تحرير عدن عام 2015 دخل الجنوب مرحلة معقدة، مرحلة امتزج فيها الفرح بالتحرير مع الألم الناتج عن الفوضى، وامتزج الأمل ببناء الدولة مع صراعات السلاح والنفوذ.
خلال تلك السنوات عاش المواطن البسيط واقعًا قاسيًا، انقطعت الخدمات، تدهورت المعيشة، وانتشرت الخلافات المسلحة داخل المدن، وسمع الناس عن اعتقالات واختطافات، وشاهدوا بأعينهم كيف تُستنزف مواردهم بدل أن تُصرف على الكهرباء والماء والصحة والتعليم.
قد يختلف السياسيون حول التفاصيل، لكن الحقيقة التي لا جدال فيها أن الضحية الأولى كانت دائمًا المواطن؛صاحب البيت، وصاحب الدخل المحدود، وصاحب الأمل الذي تآكل يومًا بعد يوم.
من هنا تأتي أهمية العدالة الانتقالية.
العدالة الانتقالية ليست انتقامًا ولا تصفية حسابات، وليست محاكمات جماعية عشوائية. هي طريق منظم لمعالجة الماضي بإنصاف، حتى لا يبقى جرحًا مفتوحًا يورث الصراع لأبنائنا.
هي تعني أن نعرف الحقيقة، وأن نعترف بما حدث، وأن نسمّي الألم باسمه، وأن نقول بوضوح: ما جرى لا يجوز أن يتكرر.
وهي تعني قبل كل شيء جبر الضرر؛ أي إنصاف الضحايا، وإعادة الاعتبار لمن ظُلموا، وتعويض المتضررين، ومعالجة آثار الحرب نفسيًا واجتماعيًا، وإصلاح المؤسسات حتى لا تتكرر المأساة.
وفي هذا السياق، يجب أن تصل رسالة واضحة إلى كل مواطن في عدن وكافة المحافظات.
مرحلة الخوف والفوضى والسطو على الدولة انتهت، ولن تُفتح أبوابها مرة أخرى.
من قتل، ومن اعتقل، ومن اختطف، ومن نهب، ومن حوّل المدن إلى ساحات صراع، لن يعودوا حكّامًا على رقاب الناس ولا أوصياء على حياتهم.
هذه ليست رسالة انتقام، بل رسالة طمأنة؛ أن زمن الإفلات من العقاب قد ولى، وأن زمن الدولة والقانون بدأ.
إذا لم نطبّق العدالة الانتقالية اليوم، سنظل ندور في الحلقة نفسها، قوة تسقط، وأخرى تصعد، والمواطن يدفع الثمن كل مرة.
أما إذا سرنا في هذا المسار، فإننا نضع أساسًا لدولة تحمي الناس بدل أن تخيفهم، وتخدمهم بدل أن تبتزهم، وتؤمنهم بدل أن تختطفهم.
عدن والوطن بالكامل لا يستحقان أن يبقيا ساحات صراع؛ بل فضاءً لدولة مدنية عادلة.
تطبيق العدالة الانتقالية على فترة ما بعد 2015 ليس رفاهية سياسية، بل ضرورة وطنية وأخلاقية إذا أردنا سلامًا حقيقيًا، ودولة حقيقية، ومستقبلًا يليق بأبنائنا.



