اللقاء التشاوري في الرياض: مسار مفتوح لا تمثيلًا جامعًا

البعث نيوز / بقلم : صفوان سلطان
لم تكن موافقة المملكة العربية السعودية على عقد اللقاء التشاوري الجنوبي في الرياض خطوة عفوية أو إجراء بروتوكولي، بقدر ما كانت قرارًا سياسيًا محسوبًا يهدف إلى إعادة ضبط المشهد الجنوبي في لحظة شديدة الحساسية، لكن من الضروري قراءة هذا اللقاء بعيون واقعية لا دعائية.
فاللقاء لم يكن — كما رُوِّج في بعض الخطابات — تمثيلًا شاملًا للجنوب، ولا “نواة أولى” لإرادة جنوبية جامعة، بل كان في جوهره تجمّعًا لمجموعة سياسية محددة خرجت من عباءة المجلس الانتقالي المنحل، وأعادت التموضع بعد المتغيرات الأخيرة، وحددت توجهها مبكرًا تجاه مسار الحوار.
هذه المجموعة تمثل تيارًا جنوبيًا واحدًا، له وزنه وحضوره، لكنه ليس الجنوب كله، ولا يجوز اختزال القضية الجنوبية فيه أو اعتباره مرجعية حصرية لمستقبلها.
في المقابل، ما زالت هناك توجهات جنوبية أصيلة ومؤثرة لم تكن حاضرة في هذا اللقاء، وعلى رأسها:
• التوجه الحضرمي الذي يضع الدولة، وإدارة الموارد، والأمن المحلي، والحوكمة الرشيدة في صدارة أولوياته، ويرفض الذوبان في أي مشروع جنوبي مركزي جديد يعيد إنتاج منطق الهيمنة السابق.
• توجه أبناء عدن الذي يميل إلى مدنية الدولة وسيادة القانون والخدمات والاستقرار، ويتحفظ تاريخيًا على عسكرة السياسة أو احتكار القرار باسم “القضية الجنوبية”.
• توجهات شبوة وأبين ولحج والمهرة وسقطرى التي تميل إلى بناء الدولة أولًا، وترى أن معالجة القضية الجنوبية يجب أن تمر عبر إعادة الاعتبار للمؤسسات لا عبر منطق الاصطفاف الأيديولوجي.
من هنا، لا ينبغي قراءة اللقاء بوصفه تمثيلًا جامعًا، بل بوصفه إطلاقًا لمسار سياسي مفتوح أرادت الرياض من خلاله أن تُظهر أمرين أساسيين:
الأول: أن المملكة تتبنى حوارًا جنوبيًا بلا سقف مُسبق، يتيح مشاركة كل الاتجاهات — من دعاة الانفصال، إلى أنصار الفيدرالية، إلى من يؤمنون بوحدة مُعاد صياغتها — طالما ظل النقاش سياسيًا وسلميًا.
الثاني: أن القيادات التي حلت المجلس الانتقالي وتقدمت للمشاركة في هذا المسار تتحرك بإرادتها السياسية الحرة، لا تحت ضغط أو إكراه، في رسالة داخلية وخارجية تؤكد أن ما جرى كان خيارًا سياسيًا لا إملاءً مفروضًا.
بهذا المعنى، لم يكن الهدف السعودي صناعة تمثيل بديل للجنوب، بل فتح بوابة حوار تُخرج القضية الجنوبية من منطق السلاح والاحتكار، وتعيدها إلى فضاء السياسة والتوافق.
غير أن نجاح هذا المسار لن يُقاس بما حدث في هذا اللقاء وحده، بل بمدى اتساعه لاحقًا ليشمل الحضارم، وأبناء عدن، وشبوة، والمهرة، وسقطرى، وكل التيارات الجنوبية الفاعلة. فإذا ظل محصورًا في تيار واحد، فسيبقى ناقص الشرعية. أما إذا أصبح فضاءً جامعًا ومتعددًا، فسيكون خطوة حقيقية نحو حل عادل ومستدام.
الخلاصة أن لقاء الرياض كان بداية مسار لا نهاية تمثيل، وفرصة سياسية ينبغي توسيعها لا تضييقها، لأن القضية الجنوبية أعمق من أي مكوّن، وأكبر من أي تيار، وأثمن من أن تُختزل في مسار واحد.



